فهرس الكتاب
وأما ما نقله عن ابن حجر من (الصواعق) فقد اقتطع من كلامه ما يفيده وترك الباقي، كعادته في التلاعب بالنّصوص حسب ما يشتهي. فتتمة كلام ابن حجر من (الصواعق) : (... لكن أكثر المفسرين على أن المراد إلياس عليه السّلام، وهو قضية السياق) اهـ. فهذا هو ابن حجر نفسه يقرر أن قول أكثر المفسرين على خلاف ذلك، فما حجة هذا الموسوي إذن في غير قراءة ابن عباس التي قدمنا أن في إسنادها كذابًا؟ ولا يفيده قول الكلبي الذي نقله، فإن الكلبي هذا هو محمّد بن السائب، متهم بالكذب، كما في ترجمته من التهذيب والتقريب.
قوله: (وآل محمّد الذين فرض الله على عباده الصلاة والسّلام عليهم فقال:(( إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) ) [الأحزاب:56] ، فقالوا: يا رسول الله! أما السّلام عليك فقد عرفناه فكيف الصلاة عليك؟ قال: قولوا: اللّهم صلّ على محمّد وآل محمّد.. الحديث، فعلم بذلك أن الصلاة عليهم جزء من الصلاة المأمور بها في هذه الآية، ولذا عدّها العلماء من الآيات النازلة فيهم، حتى عدّها ابن حجر في الباب (11) من صواعقه في آياتهم عليهم السّلام). وقال في الهامش (55/73) : (كما أخرجه البخاري في كتاب تفسير القرآن من الجزء الثالث من صحيحه، في باب أن الله وملائكته يصلّون على النبي، من تفسير سورة الأحزاب، وأخرجه مسلم في باب الصلاة على النبي، من كتاب الصلاة من الجزء الأول من صحيحه، وأخرجه سائر المحدثين عن كعب بن عجرة) اهـ.
قلت: قد تقدم الكلام -في الملاحظات الخمس تعقيبًا على ما جاء في كلامه في (المراجعة 10) (ص:60) من المراجعات- على فرضية أو وجوب الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلّم وآله في الصلاة، وبيان حكمها هناك، وهذا الموسوي يعيد الكلام والاستدلال رغبة في التطويل، وقد بينا هناك معنى (الآل) الصحيح، وبينا شمول هذا الاسم لأزواجه صلّى الله عليه وسلّم، بل فوق ذلك جاء التصريح بذكرهن في أحد الألفاظ الصحيحة في الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلّم بعد التشهّد، وذلك في حديث أبي حميد الساعدي الذي أخرجه البخاري (4/178) ، ومسلم (1/306) بلفظ: (اللهم صلّ على محمّد وعلى أزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمّد وعلى أزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد) وقلنا هناك: إن هذا اللفظ يدفع ماقاله هذا الموسوي وما ادعاه، ويهدم كلّ ما بناه على أساس وجوب الصلاة على آل النبي صلّى الله عليه وسلّم في الصلاة.
وما أشار إليه في الهامش (55/73) مما أخرجه البخاري ومسلم، لا يؤيد ما قاله وفق معنى (الآل) الذي سبق بيانه، ونقول له: قد أخرج البخاري ومسلم أيضًا حديث أبي حميد الساعدي السابق الذكر، فلم أعرضت عنه؟ ففيه التصريح بذكر زوجاته صلّى الله عليه وسلّم ورضي الله عنهنّ.
وكلام ابن حجر الذي أشار إليه في المتن وذكر موضعه في الهامش (56/74) يرد عليه بذلك أيضًا، فقد شمل ابن حجر أزواجه بذكر الآل، وذكر رواية الصحيحين بخصوصه، وقال: (قالوا يا رسول الله كيف نصلي عليك؟ قال: قولوا: اللهمّ صلّ على محمّد وعلى أزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم...) فراجع كلام ابن حجر في (الصواعق) (ص:87) إذ لم يكن هذا الموسوي أمينًا في نقله كعادته.
قوله: فطوبى لهم وحسن مآب، جنات عدن مفتحة لهم الأبواب)، (( وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ ) ) [ص:49] (( جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمْ الأَبْوَابُ ) ) [ص:50] وقال في الهامش (57/74) عن معنى طوبى: (أخرج الثعلبي في معناها من تفسيره الكبير، بسند يرفعه إلى رسول الله صَلّى الله عليه وآله وسلّم قال: طوبى شجرة في الجنة، أصلها في داري وفرعها على أهل الجنة. فقال بعضهم: يا رسول الله! سألناك عنها فقلت: أصلها في دار عليّ وفرعها على أهل الجنة، فقال(ص) أليس داري ودار علي واحدة؟) اهـ.
قلت: لم يبين إسناده ولا مخرجه إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ولم يصرح هذا الموسوي بمصدره ومن أين نقله، فتفسير الثعلبي غير مطبوع ولا أدري من أين نقله، وتفسير (طوبى) بأنها شجرة في الجنة جاء عن بعض الصحابة والتابعين، وجاء ذلك أيضًا مرفوعًا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ولكن ليس في أي من طرقه تلك ان أصلها في دار النبي صلّى الله عليه وسلّم أو في دار علي، وقد رواه ابن جرير الطبري في (تفسيره) (13/87-88) عن كل من أبي هريرة وابن عباس وشهر بن حوشب، والضحاك ووهب بن منّبه، وحماد وغيره، وليس فيها ما ذكره هذا الموسوي، وقد استقصى طرقه والأقوال الأخرى السيوطي في (الدر المنثور) (4/643-650) ، عن عدد من الصحابة والتابعين، وعزاه إلى عديدين، ولم يذكر ما أخرجه الثعلبي هذا، وبعضهم فسرّ (طوبى) بأنها الجنة، وأنها من أسماء الجنة بالحبشية أو الهندية.