فهرس الكتاب
وروى الطبري (13/86) عن ابن عباس في قوله: (( طُوبَى لَهُمْ ) ) [الرعد:29] قال: فرح وقرّة عين. وروى أيضًا عن عكرمة قال: نِعم مالهم. وعن الضحاك: غبطة لهم. وأخرج أيضًا (13/86) عن قتادة قال: حسنى لهم، وهي كلمة من كلام العرب، يقول الرجل: (طوبى لك، أي: أحببت خيرًا. وعن إبراهيم قال: الخير والكرامة الذي أعطاهم الله سبحانه وتعالى. قال ابن كثير(2/521) بعد نقله لهذه الأقوال: (وهذه الأقوال شيء واحد لا منافاة بينها) .
وعلى فرض صحة ما ادّعاه هذا الموسوي فليس فيها دليل على الأفضلية- أكرر- بل دليل على الفضل، ولا تلازم بين هذا وبين الإمامة والتقديم على الناس، وفي الأثر الذي ساقه فضل لعليّ رضي الله عنه وحده، فأين الفضل فيه لباقي الأئمة وآل البيت؟ ثم إن سياق الآيات عام في كل المؤمنين، قال الله تعالى: (( الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ ) ) [الرعد:29] (الرعد/29) فلم يخصّصها بعليّ رضي الله عنه وحد.
قوله: (فهم المصطفون من عباد الله، السابقون بالخيرات بإذن الله، الوارثون كتاب الله، الذين قال الله فيهم:(( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ ) ) [فاطر:32] وهو الذي لا يعرف الأئمة: (( وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ ) ) [فاطر:32] وهو الموالي للأئمة: (( وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ) ) [فاطر:32] وهو الإمام: (( ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ) ) [فاطر:32] .
وقال في الهامش (58/74) : (أخرج ثقة الإسلام الكليني بسنده الصحيح عن سالم قال: سألت أبا جعفر(الباقر) عن قوله تعالى: (( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا... ) ) [فاطر:32] الآية، قال عليه السلام: السابق بالخيرات هو الإمام، والمقتصد هو العارف بالإمام، والظالم لنفسه هو الذي لا يعرف الإمام. وأخرج نحوه عن الإمام أبي عبد الله الصادق، وعن الإمام أبي الحسن الكاظم، وعن الإمام أبي الحسن الرضا، وأخرجه عنهم الصدوق وغير واحد من أصحابنا، وروى ابن مردويه عن عليّ انه قال في تفسير هذه الآية: هم نحن، والتفصيل في كتابنا (تنزيل الآيات) وفي"غاية المرام") اهـ.
قلت: ها هو يخلّ ثانيةً بالشرط الذي اشترطه على نفسه، من الاستشهاد بالنّصوص من كتب أهل السنة، ويلجأ إلى ما ليس بحجّة عند أهل السنة اضطرارًا، وسأجعل ردي هنا من عدة أوجه:
الوجه الأول: استدل على تفسيره للآية بما نقله عن محمّد الباقر، وابنه جعفر الصادق، والكاظم، وأبي الحسن الرضا، وهم أئمة أهل البيت، وليس قولهم لوحده حجّة عند أهل السنة، فهم عندهم بمنزلة باقي أئمة التابعين وتابعيهم إن لم يكن في الآخرين من هو أعلم منهم، ومن كان من الصحابة من أهل البيت فلا مزية له على سائر الصحابة من جهة الاستدلال بقوله، فكلٌّ يؤخذ منه ويردّ عليه إلا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، والعبرة في صحة القول والأخذ به أن ينسب إلى المعصوم صلّى الله عليه وسلّم، وما سوى ذلك يحتمل الصحّة والخطأ، على فرض صحة السّند إلى من ينسب له، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في تعريفه للعلم الشرعي الصحيح: (نظر محقق، في خبر مصدق، عن المعصوم صلى الله عليه وسلم) .
فأهل السنة إذًا لا يقدحون في هؤلاء الأئمة، ولكن ليس قولهم بأولى من قول غيرهم من أئمة هذه الأمة، هذا كله على فرض صحّة نسبة ما ادّعاه اليهم، فكيف وهو لم يبين إسناده، وقوله: بسنده الصحيح لا يُلزم به أهل السنة، فهو صحيح باعتبار مذهبه لا مطلقًا، وإلا ليسق إسناده إن كان صادقًا، فأي حجة في قول الباقر والصادق وغيرهما بعد ذلك يلزم به أهل السنة، خصوصًا وانه معارض بتفسير غيرهم لهذه الآية، وهو ما سنبينه إن شاء الله.