الصفحة 92 من 366

الوجه الثاني: قيل في الأصناف الثلاثة المذكورين في الآية، وهم الظالم لنفسه والمقتصد والسابق بالخيرات: إن السابق بالخيرات والمقتصد من أمة محمّد صلّى الله عليه وسلّم، والظالم لنفسه من غيرهم، والصحيح أن الظالم لنفسه من هذه الأمة أيضًا، فتكون جميع هذه الأصناف من أمة محمّد صلّى الله عليه وسلّم، وهو ظاهر الآية؛ لقوله تعالى: (( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ) ) [فاطر:32] فبين ان هذه الأصناف من جنس واحد وأمة واحدة، ثم قال الله تعالى بعدها بثلاث آيات: (( وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا ) ) [فاطر:36] الآية، فدلّ هذا على أنّ المقدّمين غير الذين كفروا، وأنّ هؤلاء هم أهل النار.. هذا أولًا. وثانيًا: هو موافق لما جاءت به الأحاديث عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من طرق يشد بعضها بعضًا، فمنها: ما رواه الإمام أحمد (3/78) ، والترمذي (4/171) ، وابن جرير (22/137) ، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال في هذه الآية: (هؤلاء كلهم بمنزلة واحدة، وكلهم في الجنّة) وقال الترمذي: حديث غريب حسن. قلت: وقد حسّنه لشواهد، فمنها: حديث أبي الدرداء عند أحمد (5/194، 198) (6/444) ، وابن جرير (22/137) وابن أبي حاتم (1) من طريقين. ومثله حديث عوف بن مالك رضي الله عنه، عند الطبراني في الكبير (18/66) (رقم 149) ، وابن أبي حاتم (2) ، وأخرج نحوه أيضًا الطبراني في الكبير (410) من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما. وفي كل هذه الأحاديث التصريح بأن جميع هذه الأقسام الثلاثة هم من أمة محمّد صلّى الله عليه وسلّم، وأنهم جميعًا من أهل الجنة، فراجع نصّ هذه الأحاديث في مواضعها التي أشرنا إليها، أو راجعه في ما ساقه ابن كثير في تفسيره (3/555-556) من ألفاظها، أو ما أورده السيوطي في الدر المنثور (7/23-26) ، وقد ذكر كلّ منهما آثارًا أخرى عن عدد من الصحابة والتابعين، وذكرا من أخرجها ورواها، مثل قول عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وأنس، والبراء،، وعائشة، وغيرهم من التابعين رضي الله عنهم أجمعين، وهو اختيار ابن جرير وابن كثير في معنى الآية أيضًا.

والمهم أنه جاء تفسير الآية بما يخالف ما ذكره حتى عن بعض أئمة أهل البيت رضي الله عنهم، فقد روى ابن جرير (22/133-134) عن ابن عباس في هذه الآية قال: (هم أمة محمّد صلّى الله عليه وسلّم، ورثهم الله تعالى كل كتاب أنزله، فظالمهم يُغفر له، ومقتصدهم يحاسَب حسابًا يسيرًا، وسابقهم يدخل الجنة بغير حساب) ، فهذا تفسير حبر الأمة رضي الله عنه، أن المقصودين بالذين أورثهم الله الكتاب هم أمة محمد صلّى الله عليه وسلّم، وهم المصطفون من عباد الله، لا كما زعمه هذا الموسوي باختصاص ذلك بأهل البيت، ثم جعله للظالم لنفسه هم من لم يعرف الأئمة، وأنه من أهل النار، فها نحن نردّ عليه بقول ابن عباس رضي الله عنهما المسند، وله طريق آخر بلفظ آخر أخرجه الطبراني في الكبير (11454) ، قال: (السابق بالخيرات يدخل الجنّة بغير حساب، والمقتصد يدخل الجنة برحمة الله، والظالم لنفسه وأصحاب الأعراف يدخلون الجنة بشفاعة محمّد صلّى الله عليه وسلّم) ، فهذا تصريح ابن عباس بدخول الظالم لنفسه الجنة، فإن قيل: أنه لا يخالف كونه لم يعرف الأئمة، قيل: يلزمه أن معرفة الأئمة ليست حتمًا لدخول الجنّة كما يزعمه هذا الموسوي، إذ جعلها الركن الأساس للإيمان كما مرّ في كلامه، ويلزمه أن من لم يعرفهم لا يسيئه ذلك شيئًا، فأي فضيلة تبقى لهم بعد ذلك؟ وفوق ذلك روى ابن جرير (22/135) بإسناده عن محمّد بن الحنفية رضي الله عنه قال: (إنها أمة مرحومة؛ الظالم مغفور له، والمقتصد في الجنات عند الله، والسابق بالخيرات في الدرجات عند الله) .

وذكر ابن كثير (3/556) عن أبي الجارود قال: سألت محمّد بن عليّ- الباقر- رضي الله عنهما عن قول الله تعالى: (( فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ ) ) [فاطر:32] فقال: هو الذي خلط عملًا صالحًا وآخر سيّئًا. فهذا ما قاله الباقر، يردّ ما زعمه هذا الموسوي من قوله، والحمد لله، وما ادّعى انه من قول عليّ رضي الله عنه فيما أخرجه ابن مردويه، فهو غير صريح في ما أراده هذا الموسوي، إذ قول عليّ: هم نحن، يمكن حمله على أمّة محمّد صلّى الله عليه وسلّم، وهو الحق، وبذلك يوافق ما سقناه من الأحاديث وأقوال الصحابة والتابعين في ذلك، مع أنه لم يبين لنا إسناده ولا من أين نقله، فتفسير ابن مردويه غير مطبوع.

(1) تفسير ابن كثير) (3/555) .

(2) ابن كثير (3/556) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت