فهرس الكتاب
إن حرب الحداثيين لدين الله لم تقتصر على هذه المواقف، بل إنهم ـ حتى يمكنهم التسلل إلى عقول الأمة وهي مخدرة لا تحس ولا تعي فلا تبدي مقاومة أو حركة ـ أخذوا ينشرون ويؤكدون أن دعوى الغزو الفكري الذي تتعرض له الأمة الإسلامية دعوى لا دليل عليها، بل الدليل على خلافها، وأن هذه الدعوة هي من أهم أسباب تأخر الأمة - كما يزعمون - هذا في الوقت الذي لم يعد فيه موضوع الغزو الفكري من الموضوعات الغامضة، والذي كان في الحقيقة آخر حلقة من حلقات الصراع بين المسلمين وأعدائهم ، بل كان هو الغاية من غزو ديار المسلمين ليتمكن العدو من تحويلهم عن دينهم، ومع ذلك يخرج علينا عباقرة الحداثة بصرعة فكرية جديدة تسمي الغزو الفكري: (حوار الحضارات) ، ولا عجب في ذلك فإن الحداثيين أنفسهم من أدوات الغزو الفكري، بل وجودهم في ديارنا دليل أكيد على وجود الغزو . وهذا الموضوع كتب فيه كثير من علماء المسلمين، مثل عبد الرحمن الميداني، وعبد الستار السعيد وغيرهم .
ومن هذا المنطلق الحداثي قال السريحي في اليمامة عدد 906 صفحة 79:"أنا أتحفظ كثيرًا على كلمة الغزو الفكري، فكثيرًا ما يتخذ هذا المصطلح ذريعة لقفل باب حوار الحضارات، الفكر لا يكون فيه غزو، الفكر عطاء إنساني, لا أقول غزو . ولكن بطبيعة قوة أمة من الأمم أن يصبح لها مد يؤثر في هوءة الأمم، إذًا ليست هناك فكرة غزو فهذا مصطلح عسكري يجب ألا يدخل في الفكر، وإنما هو تيار يسري بين الأمم يقوم فيه حوار الحضارات يكون الصوت الأقوى والصوت الكاسح ، هو صوت الأمة القوية المؤثرة".
وما دام أنه حوار الحضارات في نظر السريحي، فلا بد لنا من أن نقتفي آثار الأمم القوية، دون أن يكون هناك فرق بين تقدمها المادي وانحطاطها الخلقي، وبهيميتها في عالم المثل والقيم والفكر، بل يؤكد أن اتباعنا لها أمر طبيعي حتمي .