الصفحة 134 من 849

ولا أصابتنا مخمصة إلا شاركونا في ذلك وهم بالمدينة». فقيل له: كيف ذلك يا رسول الله؟ فقال: «حبسهم العذر، فشاركوا بحسن النية» [1] . فحسن النية إذًا هو الذي جعل غير الغازي في الأجر كالغازي، وجعل غير المجاهد يحصل على أجر كأجر المجاهد، ومن قوله - صلى الله عليه وسلم: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار» . فقيل: يا رسول الله هذا القاتل، فما بال المقتول؟ فقال: «لأنه أراد قتل صاحبه» [2] . فسوت النية الفاسدة والإِرادة السيئة بين قاتل مستوجب للنار وبين مقتول لولا نيته الفاسدة لكان من أهل الجنة، ومن قوله - صلى الله عليه وسلم: «من تزوَّج بصداق لا ينوي أداءَه فهو زانٍ، ومن ادَّان دينًا وهو لا ينوي قضاءه فهو سارق» [3] . فبالنية السيئة انقلب المباح حرامًا، والجائز ممنوعًا، وما كان خاليًا من الحرج أصبح ذا حرج.

كل هذا يؤكد ما يعتقده المسلم في خطر النية، وعظم شأنها، وكبير أهميتها فلذا هو يبني سائر أعماله على صالح النيات، كما يبذل جهده في أن لا يعمل عملا بدون نية، أو نية غير صالحة، إذ النية روح العمل وقوامه، صحته من صحتها وفساده من فسادها، والعمل بدون نية صاحبه مُراء متكلف ممقوت.

وكما يعتقد المسلم أن النية ركن [4] الأعمال وشرطها، فإنه يرى أن النية ليست مجرد لفظ باللسان (اللهم نويت كذا) ولا هي حديث نفس فحسب، بل هي انبعاث القلب نحو العمل الموافق لغرض صحيح من جلب نفع، أو دفع ضر حالا، أو مآلا، كما هي الإِرادة المتوجهة تجاه الفعل لابتغاء رضا الله، أو امتثال أمره.

والمسلم إذ يعتقد أن العمل المباح ينقلب بحسن النية طاعة ذات أجر ومثوبة وأن الطاعة إذا خلت من نية صالحة تنقلب معصية ذات وزر وعقوبة، لا يرى#

(1) أبو داود والبخاري مختصرًا.

(2) متفق عليه.

(3) رواه أحمد، ورواه ابن ماجة مقتصرًا على الدين دون الصداق.

(4) النية ركن باعتبار البداية، وشرط باعتبار الاستمرار.#

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت