فهرس الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم
تعقيب على دعوى المواطنة والوطنية
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد فقد اطلعت على ما نشر في جريدة الجزيرة عدد 4196 وتاريخ 23 جمادى الثانية سنة 1404هـ، تحت عنوان «عن المواطنة والوطنية» ثم قال الكاتب بالخط العريض «أدخلوها في المقررات الدراسية» هكذا قال الكاتب هداه الله وألهمه رشده. وما علم الكاتب أنه قد خرج في مقاله عن الطريق القويم الذي كان عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه والتابعون لهم بإحسان، وذلك لأن مقاله يشتمل على أمرين خطيرين:
أحدهما: الدعوة إلى موالاة الكفار والمنافقين من المواطنين وموادتهم.
وثانيهما: الدعوة إلى العصبية الوطنية والحمية الجاهلية.
وكل من هذين الأمرين حرام شديد التحريم. ويشتمل المقال أيضا على كلمتين شركيتين سأنبه عليهما إن شاء الله تعالى.
والأدلة على تحريم موالاة الكفار والمنافقين كثيرة في القرآن. منها قول الله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [1] . وقوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ} [2] . وقوله تعالى لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ#
إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ [3] . وقوله تعالى {وَالَّذينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} [4] . وقوله تعالى {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ} [5] . وقوله تعالى {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ} [6] . إلى غير ذلك من الآيات الدالة على المنع من موالاة أعداء الله تعالى من الكفار والمنافقين والتشديد في ذلك. وسواء في ذلك موالاة المواطنين منهم وغير المواطنين.
وأما الأدلة على تحريم الدعوة إلى العصبية الوطنية ففي أحاديث كثيرة. منها قول النبي - صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من دعا إلى عصبية وليس منا من قاتل عصبية، وليس منا من مات على عصبية» رواه أبو داود عن جبير بن مطعم - رضي الله عنه -. قال ابن مفلح في قوله: «ليس منا» : هذه الصيغة تقتضي عند أصحابنا التحريم. انتهى. وروى مسلم وغيره عن جندب بن عبد الله البجلي - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من قتل تحت راية عَمِّيّة يدعو عصبية أو ينصر عصبية فقتلته جاهلية» وفي رواية لمسلم «ومن قتل تحت راية عَمِّيّة يغضب للعصبة ويقاتل للعصبة فليس من أمتي» قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: هو الذي يقاتل تعصبا لقومه أو أهل بلده ونحو ذلك. انتهى. والعصبة والتعصب: المحاماة والمدافعة قاله ابن الأثير وابن منظرو. وهذان الأمران هما الغاية المقصودة من الدعوة إلى الوطنية فإنها دعوة إلى المحاماة بين الوطنيين على اختلاف أجناسهم ومللهم ونحلهم ونصر بعضهم بعضا على من ليسوا من وطنهم سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين. وهذا من دعوى الجاهلية والتعزي بعزائها، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «ومن دعا بدعوى الجاهلية فهو من جثي جهنم» قيل: يا رسول الله وإن صام وصلى قال: «وإن صام وصلى» رواه الإمام أحمد وغيره من حديث الحارث الأشعري - رضي الله عنه -. وفي الصحيحين وغيرهما عن#
(1) سورة المائدة آية 51.
(2) سورة الممتحنة آية 1.#
(3) سورة المجادلة آية 22.
(4) سورة الأنفال آية 73.
(5) سورة التوبة آية 67.
(6) سورة التوبة آية 71.#