الصفحة 357 من 849

بسم الله الرحمن الرحيم

الموت والقبر

في حديث البراء بن عازب التالي دليل على حضور الملائكة عند المحتضر حال احتضاره، فإن كان صالحًا نزلت عليه ملائكة الرحمة وبشرته بالجنة قبل قبض روحه، وتخرج بسهولة ولطف وسكون، ثم تصعد إلى الملأ الأعلى، فتحوز الرضا والقبول عند الله عز وجل، وأما الكافر أو المنافق إذا احتضر رأى من العذاب ألوانًا، ومن الإهانة أنواعًا، سواء عند خروج روحه أم عند صعودها إلى السماء.

قال البراء بن عازب - رضي الله عنه: خرجنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر، ولما يلحد فجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وجلسنا معه وكأن على رءوسنا الطير، وفي يده عود ينكت به في الأرض، فرفع رأسه فقال: «استعيذوا بالله من عذاب القبر» مرتين أو ثلاثًا ثم قال: «إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت - عليه السلام -، حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة، اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان.

قال فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء، فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن، وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك، وجدت على وجه الأرض.

قال: فيصعدون بها فلا يمرون على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الطيب؟ فيقولون فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا،

حتى ينتهوا إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له فيفتح#

له، فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهى به إلى السماء السابعة، فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتاب عبدي في عليين [1] وأعيدوه إلى الأرض فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى. قال فتعاد روحه في جسده، فيأتيه ملكان فيجلسانها، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام. فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -. فيقولان له: وما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدَّقت. فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي فافرشوا له من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابًا إلى الجنة، فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره، ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد. فيقول له: من أنت؟ فوجهك الذي يأتي بالخير. فيقول أنا عملك الصالح. فيقول: رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي. قال: وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزل عليه من السماء ملائكة سود الوجوه معهم المسوح [2] فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت فيجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى سخط من الله وغضب، فتفرق في جسده، فينزعها كما ينزع السفود [3] من الصوف المبلول فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا يمرون على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا

(1) عليين: مأخوذ من العلو فكلما علا الشيء وارتفع عظم واتسع وهو في السماء السابعة تحت العرش - الفتح الرباني 7 - 78.

(2) المسوح: جمع المسح بالكسر وهو اللباس الخشن الممقوت.

(3) السفود: على وزن تنور، وهي حديدة ذات شعب يشوى بها اللحم، فكما يبقى فيها شيء من بقايا اللحم المحروق، كذلك تصحب عند الجذب شيئا من الصوف المبلول وهي كناية عن تمزق جسمه وصعوبة خروج روحه نعوذ بالله من ذلك.#

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت