فهرس الكتاب
خص تبارك وتعالى هذه الأمة الإسلامية في هذا الشهر الشريف، فأعطاها من فضله العظيم ما لم يعط أمة سواها من الأمم السابقة تكرمة لنبيها إمام الأنبياء وأفضلهم على الإِطلاق ولأمته أشرف الأمم بعد الأنبياء والمرسلين وأكملهم ديانة وحفظا للشريعة واستقامة وجهادا في سبيله ولقصر أعمارهم وضعف قواهم، ففي المسند عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أعطيت أمتي في شهر رمضان خمس خصال لم تعطهم أمة قبلهم، خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك وتستغفر لهم الملائكة حتى يفطروا ويزين الله كل يوم جنته ثم يقول يوشك عبادي الصالحون أن يلقوا عنهم المؤنة والأذى ويصيروا إليك، وتصفد فيه مردة الشياطين، فلا يخلصون فيه إلى ما كانوا يخلصون إليه في غيره ويغفر لهم في آخر ليلة» الحديث. وهذه الفضائل خاصة بالصائمين المتمسكين بدينهم من هذه الأمة دون من سواهم فلا حظ لهم في ذلك ولا كرامة.
وقد شرف تعالى هذه الشهر الكريم بإنزال القرآن العظيم فيه الذي هو مصدر هداية البشر وغير البشر وسلامتهم من جميع الشرور والفساد والتفرق والاختلاف، بقوله تعالى {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [1] وقوله: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [2] .
وقد رغب النبي - صلى الله عليه وسلم - في اغتنام زمنه بالمسارعة إلى فعل الخيرات المقربة إلى الله تعالى وترك المنكرات، فمن ذلك قيام ليله لما في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر الله له ما تقدم من ذنبه» [3] ومن ذلك الصدقة والإِحسان إلى الفقراء والمساكين الذين لا يجدون كفاية سنتهم للمعيشة، أو أجور السكن وأشباههم كالمصابين بدماء، أو احتراق مال ونحو ذلك، ولا#
(1) سورة الإسراء من آية 9.
(2) سورة طه آية 123 - 124.
(3) متفق عليه.#