الصفحة 470 من 849

أنه لا فرق في ذلك بين الفضا والبينان. ومن خواصها أن المسجد الحرام أول مسجد وضع في الأرض كما في الصحيحين عن أبي ذر قال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أول مسجد وضع في الأرض فقال:"المسجد الحرام"قلت ثم أي قال:"المسجد الأقصى"قلت كم بينهما قال:"أربعون عامًا"، ومما يدل على تفضيلها أن الله تعالى أخبر أنها أم القرى فالقرى كلها تابعة لها وفرع عليها وهي أصل القرى فيجب أن لا يكون لها في القرى عديل ومن خواصه أنه يعاقب فيه على الهم بالسيئات وإن لم يفعلها قال تعالى: {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} ومن هذا تضاعف مقادير السيئات فيه لا كمياتها فإن السيئة جزاؤها سيئة لكن سيئة كبيرة وجزاؤها مثلها والصغيرة جزاؤها مثلها فالسيئة في حرم الله وبلده وعلى بساطه آكد وأعطم منها في طرف من أطراف الأرض.

وقد ظهر سر هذا التفضيل والاختصاص بانجذاب الأفئدة إليه وهوى القلوب وانعطافها ومحبتها لهذا البلد الأمين فجذبه للقلوب أعظم من جذب المغناطيس للحديد.

ولهذا أخبر سبحانه أنه مثابة للناس أي يثوبون إليه على تعاقب الأعوام من جميع الأقطار ولا يقضون منه وطرا بل كلما ازدادوا له زيارة ازدادوا له اشتياقًا.

وهذا كله سر إضافته إليه سبحانه وتعالى بقوله {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ} فاقتضت هذه الإضافة الخاصة من هذا الإجلال والتعظيم والمحبة ما اقتضته من ذلك، فكل ما أضافه الرب تعالى إلى نفسه فله من المزية والاختصاص على غيره ما أوجب له الاصطفاء والاختيار {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} .

وبالله التوفيق وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين [1] .#

(1) انظر كتاب (زاد المعاد في هدى خير العباد) لابن القيم رحمه الله تعالى بتحقيق الأرنؤوط 1/ 46 - 53.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت