فهرس الكتاب
وقد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر» [1] وهذا نفي لما كانت الجاهلية تعتقده في هذه الأمور من التأثير من غير أن يكون ذلك بقضاء الله وقدره، فدل على بطلان ذلك وعدم تأثيره، وقد فسرت الهامة في هذا الحديث بأنها طائر من طير الليل، قيل: إنه البومة وأن العرب كانت تشاءم بها، وإذا وقعت على بيت أحدهم قال: نعت إلى نفسي أو واحدًا من أهل داري. ومما جاء في معنى الصفر أنه التشاؤم بدخول صفر، والقول بأنه شهر شؤم، قال ابن رجب ولعله أشبه الأقوال في ذلك.
وصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل» قالوا: وما الفأل قال: «الكلمة الطيبة» [2] فنفى العدوى والطيرة، وأخبر أن الفأل يعجبه، وأنه الكلمة الطيبة، فدل على أنه ليس من الطيرة المذمومة؛ لأنه حسن ظن ورجاء خير، وأما الطيرة فهي سوء ظن بالله وتوقع للبلاء.
ولما ذكرت الطيرة عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «خيرها الفأل ولا ترد مسلما» [3] قال ابن القيم رحمه الله تعالى: أخبر - صلى الله عليه وسلم - أن الفأل من الطيرة وهو خيرها فأبطل الطيرة وأخبر أن الفأل منها ولكنه خيرها ففصل بين الفأل والطيرة لما بينهما من الامتياز والتضاد، ونفع أحدهما ومضرة الآخر: ونظير هذا منعه من الرقى بالشرك، وأذن في الرقية إذا لم يكن فيها شرك لما فيها من المنفعة الخالية من المفسدة. انتهى.
وقوله - صلى الله عليه وسلم: «خيرها الفأل» مع أن الطيرة كلها لا خير فيها قال صاحب الفتح: إن أفعل التفضيل في ذلك إنما هو بين القدر المشترك بين الشيئين، والقدر المشترك بين الطيرة والفأل تأثير كل منهما فيما هو فيه، والفأل في ذلك أبلغ. انتهى.#
(1) أخرجه البخاري عن أبي هريرة - رضي الله عنه -.
(2) متفق عليه.
(3) رواه أبو داود والبيهقي.#