فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 80

وقال سفيان الثوري: ( لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلاّ من كان فيه ثلاث خصال: رفيق بما يأمر رفيق بما ينهى ، عدل بما يأمر عدل بما ينهى ، عالم بما يأمر عالم بما ينهى ) .

ولهذا اتفقت العقول السليمة على أن هلاك الناس من ثلاثة أشخاص: نصف فقيه ، ونصف طبيب ، ونصف نحوي ، فالأول يفسد الأديان والثاني يفسد الأبدان والثالث يفسد اللسان ، نص على ذلك أهل العلم .

وهؤلاء هم أنصاف المتعلمين ، لا ظهرًا أبقوا ولا أرضًا قطعوا ، فلا هم بالجهل اعترفوا ، ولا بالعلم والتحقيق شرفوا ، فما يفسدون أكثر مما يصلحون ، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله .

فكم من مُنْكرٍ للمنكر لا يعي وجه الإنكار ، ولربما تسرع متسرع بإنكار ما ليس بمنكر !! ، فأورث على الإسلام عاقبة وخيمة ، وأحدث منكرًا أخطر وأشد .

قال النووي رحمه الله في شرح"صحيح مسلم": ( ثم إنه يأمر وينهى من كان عالمًا بما يأمر به ، وينهى عنه ، وذلك يختلف باختلاف الشيء ، فإن كان من الواجبات الظاهرة والمحرمات المشهورة ، كالصلاة والصيام والزنا والخمر ونحوها ، فكل المسلمين علماء بها ، وإن كان من دقائق الأفعال والأقوال ومما يتعلق بالاجتهاد لم يكن للعوام مدخل فيه ، ولا لهم إنكاره بل ذلك للعلماء ) .

قلت: وقوله ( دقائق الأفعال والأعمال ) معناه مسائل الاجتهاد وهو معنى قول بعض أهل العلم: ( لا إنكار في مسائل الاجتهاد ) ، ولا يصح أن يقال: ( لا إنكار في مسائل الخلاف ) ، لأن الخلاف منه ما هو مستساغ ومنه ما لا يكون كذلك ، والأول لا عبرة به و لا يؤخذ باجتهاده ذلك ، فعامة أهل الأهواء والبدع خرجوا وخالفوا باجتهاد ، ولكنه غير مستساغ عند أهل العلم ، فليس كل خلاف يعذر فيه المخالف حتى يكون هذا المخالف خالف باجتهاد مستساغ عند أهل العلم ، قال الشاعر:

وليس كل خلاف جاء معتبر إلاّ خلاف له حظ من النظر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت