فهرس الكتاب
قال شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله:( وقولهم مسائل الخلاف لا إنكار فيها ليس بصحيح ، فإن الإنكار إمّا أن يتوجه إلى القول بالحكم أو العمل ، أمّا الأول فإذا كان القول يخالف سنة أو إجماعا قديما وجب إنكاره وفاقًا وإن لم يكن كذلك فإنه ينكر بمعنى بيان ضعفه عند من يقول المصيب واحد وهم عامة السلف الفقهاء .
وأمّا العمل فإذا كان على خلاف سنة أو إجماع وجب إنكاره أيضًا ، بحسب درجات الإنكار كما ذكرناه من حديث شارب النبيذ المختلف فيه وكما ينقض حكم الحاكم إذا خالف سنة وإن كان قد اتبع بعض العلماء .
وأما إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع وللاجتهاد فيها مسوغ فلا ينكر على من عمل بها مجتهدًا أو مقلدًا ، وإنما دخل هذا اللبس من جهة أن القائل يعتقد أن مسائل الخلاف هي مسائل الاجتهاد كما اعتقد ذلك طوائف من الناس ، والصواب الذي عليه الأئمة أن مسائل الاجتهاد ما لم يكن فيها دليل يجب العمل به وجوبًا ظاهرًا مثل حديث صحيح لا معارض له من جنسه فيسوغ له ـ أي الاجتهاد ـ )إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى .
الأصل الرابع: مراعاة المصلحة والمفسدة .
وهذا لا يعيه إلاّ من ألمّ بالأصل السابق بتوفيق من الله وهداية ، ولا شك أن معرفة مصالح العباد ومفاسدها من أوجب ما يجب على من امتثل للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والحكم للغالب منهما لا مطلق تقديم درء المفاسد على جلب المصالح ، فتارة تكون المصلحة لا تتحقق إلاّ مع وقوع المفسدة ولكنها أهون من شأن المصلحة المتحققة ، وتارة تكون المفسدة لا تدرأ إلاّ بدفع المصلحة المتحققة ولكنها أهون من خطر المفسدة المدفوعة ، أمّا عند تساوي المرتبتين فدرء المفاسد مقدم على جلب المصالح وهذا المراد بهذه القاعدة عند أهل العلم .
ومن صورة جلب المصالح المقدمة على درء المفاسد عند علو المصلحة على المفسدة ما حصل من صنيع النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلح الحديبية .