الصفحة 145 من 516

فإن تصوّرنا إن في أحد الحدود الستة جاء الرقم صحيحًا غير منكسر، فلا نتصور أن هذا الرقم غير منكسر في جميع الحدود الأخرى؛ إذن هم أهملوا الكسور، فإن كان الكسر كثيرًا جبروه، وإن كان قليلا حذفوه.

ولم يذكر كسور الأميال والأذرعة إلا الفاسي، وهذا من دقته رحمه الله في هذا الأمر وشدة تحريه في الوصول إلى أصدق النتائج وأقربها للواقع.

ومن دقته في ذلك أنه قام بقياس هذا الحد مرة أخرى، إذ أنه في المرة الأولى قد ابتدأ من (باب بني شيبة) ، لكنه في الثانية ابتدأ من (باب المعلاة) وهاك ما قاله (ومن عتبة باب المعلاة إلى العلمين اللذين هم حد الحرم من هذه الجهة خمسة وثلاثون ألف ذراع، وثلاثة وثمانون ذراعًا، وثلاثة أسباع ذراع بذراع اليد، يكون ذلك على القول بأن الميل ثلاثة آلاف ذراع، وخمسمائة ذراع: عشرة أميال وسبع سبع ميل، وخمس عشر ميل، وخمس خمس سبع عشر ميل) اهـ.

فتأمل هذه الأرقام، وهذه الكسور، لتعرف أن هذا الرجل قد اعتبر أن الأمر أمانة في عنقه يجب أن يؤديها بكامل ما يستطيع من دقة.

ثم بعد ذلك بدأ يأخذ الأقوال الأربعة السابقة في مقدار الحد، ويزن كل قول بميزان، عله يجد له مخرجًا مقبولا؛ فإنه يأخذ القول الأول: ويحول الميل على أنه (3500) ذراع، فإن كانت النتيجة مقاربة، فيها، وإلا فإنه يحوله على أن الميل (2000) ذراع، أو (4000) ذراع، أو (6000) ذراع؛ حتى يوجه كل قول ذكره، ويجد له مخرجًا مقبولا؛ فإن لم يجد له المخرج المقبول رده، وخطأ صاحبه.

وتجد في هذا عند الفاسي نموذج العالم الفقيه الذي يحترم أقوال سابقيه من أهل العلم، ويحاول أن يدلل بنفسه على أقوالهم، ويوجهها التوجيه المقبول،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت