الصفحة 11 من 16

بعدما ذكرنا كلام العلماء في مسألة الحسد المتواجد بين أهل العلم وتحذيرهم من قبول الجرح إذا تبين أنه لحسد أو منافرة نطرح سؤالًا له أهمية كبرى وهو: هل يسلم أحد من ألسنة الناس الطاعنين بلا دليل ؟ وهل إلى إسكات الحساد عن قولهم الإفك من سبيل ؟ ولعل الإجابة على هذا السؤال تكون عزاءً لمن كثر حساده ، وغار من فضائله أقرانه ، كما تكون إشارات تنبيه لطلبة العلم أن يتثبتوا مما يسمعون من كلام في العلماء حتى إن سمعوا الطعن من إمام ثقة كما ذكر ذلك ابن عبد البر في النقل السابق .

وللإجابة على سؤال: هل يسلم من ألسنة الناس أحد ؟ نقول وبالله التوفيق:

إن رضى الناس غاية لا تدرك ، وأمنية لا تتحقق ، فإن اختلاف أمزجة الناس وأفكارهم كفيل بتحقيق الاختلاف بينهم مما يجر كلام بعضهم في بعض .

قال الإمام الذهبي رحمه الله:"وقلَّ من برز في الإمامة ورد على من خالفه إلا عودي ، نعوذ بالله من الهوى" (1) .

وقال أيضًا:"فمن ذا الذي يسلم من ألسنة الناس ؟!! لكن إذا ثبتت إمامة الرجل وفضله لم يضره ما قيل فيه ، وإنما الكلام في العلماء يفتقر إلى وزنٍ بالعدل والورع" (2) .

وقال الإمام الشافعي رحمه الله:"ليس إلى السلامة من الناس سبيل ، فانظر الذي فيه صلاحك فالزمه" (3) .

وهذا الإمام الشاطبي مع جلالة قدره لم يسلم من ألسنة الناس ، حيث يحكي محنته في كلام الناس فيه فيقول (4) :

[[ فتردد النظر بين - أن أتبع السنة على شرط مخالفة ما اعتاد الناس فلابد من حصول نحو مما حصل لمخالفي العوائد ، لاسيما إذا ادعى أهلها أن ماهم عليه هو السنة لا سواها إلا أن في ذلك العبء الثقيل مافيه من الأجر الجزيل - وبين أن أتبعهم على شرط مخالفة السنة والسلف الصالح ، فأدخل تحت ترجمة الضلال عائذًا بالله من ذلك ، إلا أني أوافق المعتاد ، وأعد من المؤالفين ، لا من المخالفين .

فرأيت أن الهلاك في اتباع السنة هو النجاة ، وأن الناس لن يغنوا عني من الله شيئًا ، فأخذت في ذلك على حكم التدريج في بعض الأمور .

فقامت علي القيامة ، وتواترت علي الملامة ، وفوق إلي العتاب سهامه ، ونسبت إلي البدعة والضلالة ، وأنزلت منزلة أهل الغباوة والجهالة .

(1) السير ( 10 / 8 - 9 ) .

(2) السير ( 8 / 448 ) .

(3) السير ( 10 / 42 ، 89 ) .

(4) الاعتصام: ( 1/ 20 - 22 ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت