بعدما ذكرنا كلام العلماء في مسألة الحسد المتواجد بين أهل العلم وتحذيرهم من قبول الجرح إذا تبين أنه لحسد أو منافرة نطرح سؤالًا له أهمية كبرى وهو: هل يسلم أحد من ألسنة الناس الطاعنين بلا دليل ؟ وهل إلى إسكات الحساد عن قولهم الإفك من سبيل ؟ ولعل الإجابة على هذا السؤال تكون عزاءً لمن كثر حساده ، وغار من فضائله أقرانه ، كما تكون إشارات تنبيه لطلبة العلم أن يتثبتوا مما يسمعون من كلام في العلماء حتى إن سمعوا الطعن من إمام ثقة كما ذكر ذلك ابن عبد البر في النقل السابق .
وللإجابة على سؤال: هل يسلم من ألسنة الناس أحد ؟ نقول وبالله التوفيق:
إن رضى الناس غاية لا تدرك ، وأمنية لا تتحقق ، فإن اختلاف أمزجة الناس وأفكارهم كفيل بتحقيق الاختلاف بينهم مما يجر كلام بعضهم في بعض .
قال الإمام الذهبي رحمه الله:"وقلَّ من برز في الإمامة ورد على من خالفه إلا عودي ، نعوذ بالله من الهوى" (1) .
وقال أيضًا:"فمن ذا الذي يسلم من ألسنة الناس ؟!! لكن إذا ثبتت إمامة الرجل وفضله لم يضره ما قيل فيه ، وإنما الكلام في العلماء يفتقر إلى وزنٍ بالعدل والورع" (2) .
وقال الإمام الشافعي رحمه الله:"ليس إلى السلامة من الناس سبيل ، فانظر الذي فيه صلاحك فالزمه" (3) .
وهذا الإمام الشاطبي مع جلالة قدره لم يسلم من ألسنة الناس ، حيث يحكي محنته في كلام الناس فيه فيقول (4) :
[[ فتردد النظر بين - أن أتبع السنة على شرط مخالفة ما اعتاد الناس فلابد من حصول نحو مما حصل لمخالفي العوائد ، لاسيما إذا ادعى أهلها أن ماهم عليه هو السنة لا سواها إلا أن في ذلك العبء الثقيل مافيه من الأجر الجزيل - وبين أن أتبعهم على شرط مخالفة السنة والسلف الصالح ، فأدخل تحت ترجمة الضلال عائذًا بالله من ذلك ، إلا أني أوافق المعتاد ، وأعد من المؤالفين ، لا من المخالفين .
فرأيت أن الهلاك في اتباع السنة هو النجاة ، وأن الناس لن يغنوا عني من الله شيئًا ، فأخذت في ذلك على حكم التدريج في بعض الأمور .
فقامت علي القيامة ، وتواترت علي الملامة ، وفوق إلي العتاب سهامه ، ونسبت إلي البدعة والضلالة ، وأنزلت منزلة أهل الغباوة والجهالة .
(1) السير ( 10 / 8 - 9 ) .
(2) السير ( 8 / 448 ) .
(3) السير ( 10 / 42 ، 89 ) .
(4) الاعتصام: ( 1/ 20 - 22 ) .