فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 126

أصلح الله أمير المؤمنين، إن رأي الناس مختلف، وكثير منهم منحرف لا يدعون أحدًا إلى رشاد، ولا يجيبون داعيًا إلى سداد، مجانبون لرأي الخلفاء، مخالفون لهم في السنة والقضاء، وقد وقفت ليزيد في أحسن القضية وأرضاها لحمل الرعية، فإذا خار الله لك فاعزم ثم اقطع قالة الكلام، فإن يزيد أعظمنا حلمًا وعلمًا، وأوسعنا كنفًا، وخيرنا سلفًا، قد أحكمته التجارب وقصدت به سبل المذاهب، فلا يصرفنك عن بيعته صارف، ولا يقفن بك دونها واقف ممن هو شاسع عاص ينوص للفتنة كل مناص، لسانه ملتو وفي صدره داء دويّ، إن قال فشر قائل، وإن سكت فداء غائل، قد عرفت من هم أولئك وما هم عليه لك من المجانبة للتوفيق والكلف للتفريق، فأجل ببيعته عنا الغمة واجمع به شمل الأمة، فلا تحد عنه إذا هديت له ولا تنش عنه إذا وقفت له، فإن ذلك الرأي لنا، ولك الحق علينا وعليك، أسأل الله العون وحسن العاقبة لنا ولك بمنه.

فقام معاوية فقال:

أيها الناس إن لإبليس من الناس إخوانًا وخلانًا، بهم يستعدي وإياهم يستعين، وعلى ألسنتهم ينطق، إن رجوا طمعًا أوجفوا، وإن استغنى عنهم أرجفوا، ثم يلحقون الفتن بالفجور ويشققون لها حطب النفاق، عيابون مرتابون إن لووا عروة أمر حنقوا، وإن دعوا إلى غيّ أسرفوا، وليسوا أولئك بمنتهين ولا بمقلعين ولا متعظين حتى تصيبهم صواعق خزي وبيل، وتحل بهم قوارع أمر جليل، تجتث أصولهم كاجتثاث أصول الفقع، فأولى لأولئك ثم أولى فإنا قد قدمنا وأنذرنا إن أغنى التقدم شيئًا أو نفع النذر.

فدعا معاوية الضحاك فولاه الكوفة ـــ وترك المغيرة، ودعا عبد الرحمن فولاه الجزيرة، ثم قام أبو خنيف فقال:

يا أمير المؤمنين: إنا لا نطيق ألسنة مضر وخطبها، أنت يا أمير المؤمنين فإن هلكت فيزيد بعدك، فمن أبى فهذا، وسلَّ سيفه، فقال معاوية: أنت أخطب القوم وأكرمهم.

قم قام الأحنف بن قيس فقال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت