فهرس الكتاب
أنت أعلمنا بليله ونهاره، وبسره وعلانيته، فإن كنت تعلم أنه شر لك فلا تزوّده الدنيا وأنت صائر إلى الآخرة، فإنه ليس لك من الآخرة إلا ما طاب، واعلم أنه لا حجة لك عند الله إن قدمت يزيد على الحسن والحسين وأنت تعلم من هما وإلى ما هما، وإنما علينا أن نقول سمعنا وأطعنا ربنا وإليك المصير.
هذا ما دبره معاوية ليولي ابنه يزيد الخلافة بعده، وفي ذلك نقض لما شرطه عليه الحسن، وقد سمع معاوية الخطباء الذين تكلموا فمدحوا يزيد وأثنوا عليه ثناء عاطرًا وطلبوا توليته لاستحقاقه، وقد أجمعوا على ذلك بناء على إيعاز سابق، ولم يخالفهم غير الأحنف بن قيس، وكان كما ذكرنا في الهامش من دهاة العرب وعقلائهم، فإنه دعا معاوية إلى الوفاء للحسن وصرح له أن وراء الحسن خيولًا وجيادًا وأذرعًا شدادًا وسيوفًا حدادًا، أي أن له شيعة قوية تسنده وتحارب من أجله، وفي هذا تهديد ووعيد، لم يرد عليه معاوية حتى قال له: واعلم أنه لا حجة لك عند الله إن قدّمت يزيد على الحسن والحسين وأنت تعلم من هما، لم يرد عليه لأنه لم يشاء إثارة هذا الموضوع في مجتمع حافل فيه من يقدِّر عليًّا وأولاده ومن يفضل الحسن على يزيد، فأعرض معاوية عن ذكر البيعة حتى قدم المدينة سنة 50هـ فتلقاه الناس، فلما استقر في منزله أرسل إلى عبد الله بن عباس وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب وإلى عبد الله بن عمر وإلى عبد الله بن الزبير وأمر حاجبه أن لا يؤذن لأحد من الناس حتى يخرج هؤلاء النفر، فلما جلسوا تكلم معاوية فقال: