فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 126

ثم بعث الرجال إلى الحسين عند المساء، فقال: أصبحوا ثم ترون ونرى، فكفوا عنه تلك الليلة ولم يلحوا عليه فخرج الحسين من تحت ليلته، وهي ليلة الأحد ليومين بقيا من رجب سنة60 وكان مخرج ابن الزبير قبله بليلة، خرج ليلة السبت فأخذ طريق الفرع، فبينا عبد الله بن الزبير يُساير أخاه جعفرًا إذا تمثل جعفر بقول صبرة الحنظلي:

وكل بني أُمّ سيمسون ليلةً

ولم يبق من أعقابهم غير واحد

فقال عبد الله بن الزبير: سبحان الله ما أردتَ إلى ما أسمع يا أخي؟ قال: والله يا أخي ما أردت به شيئًا مما تكره، فقال: فذاك والله أكره إليّ أن يكون جاء على لسانك من غير تعمد، قال: وكأنه تطيّر منه.

أما الحسين فإنه خرج ببنيه وإخوته وبني أخيه وجُل أهل بيته إلا محمد بن الحنفية فإنه قال له: يا أخي أنت أحب الناس إليّ وأعزهم عليّ ولست أدخر النصحية لأحد من الخلق أحق بها منك، تنح بتبعتك عن يزيد بن معاوية وعن الأمصار ما استطعت، ثم ابعث رسلك إلى الناس فادعهم إلى نفسك، فإن بايعوا لك حمدت الله على ذلك وإن أجمع الناس على غيرك لم ينقص الله بذلك دينك ولا عقلك ولا يذهب به مروءتك ولا فضلك إني أخاف أن تدخل مصرًا من هذه الأمصار وتأتي جماعة من الناس فيختلفون بينهم فمنهم طائفة معك وأخرى عليك فيقتتلون فتكون لأوّل الأَسِنّة، فإذا خير هذه الأمة كلها نفسًا وأبًا وأمًا أضيعها دمًا وأذلها أهلًا.

فقال له الحسين: فإني ذاهب يا أخي.

قال: فانزل مكة، فإن اطمأنت بك الدار فسبيل ذلك وإن نبت بك، لحقت بالرمال وشَعَف الجبال وخرجت من بلد إلى بلد حتى تنظر إلى ما يصير أمر الناس وتعرف عند ذلك بالرأي، فإنك أصوب ما يكون رأيًا وأحزمه عملًا حتى تستقبل الأمور استقبالًا، ولا تكون الأمور عليك أبدًا أشكل منها حين تستدبرها استدبارًا.

قال: يا أخي، نصحت فأشفقت فأرجو أن يكون رأيك سديدًا موفقًا، وهذه أول نصيحة أسديت إلى الحسين رضي الله عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت