لا شك أن الملائكة الذين خاطبهم الله بقوله: { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً } [البقرة/30] هم الذين خاطبهم بقوله: { وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ } لأن الله جمع الخطابين في موضع واحد فقال: { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ، فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ، إِلا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ } [الحجر/31:28] فإبليس بلا شك كان بين القائلين: { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ } وقد اختلف أهل التفسير في قول الملائكة ، أهو اعتراض أم استعلام واستفسار ؟ فلو قلنا اعتراض ، فكيف ينطبق عليهم قوله تعالى: { وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ ، لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ } [الأنبياء/27:26] ولو كان استعلاما واستفسارا ، فلماذا رد الله عليه بقوله: { قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ } ؟ مع أن الاستعلام يقتضى البيان من الله لهم ؟ وكيف قالوا: { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ } التى تحتمل الاعتراض ومدح النفس ؟ ولم لم يقولوا: أنت ربنا فافعل ما تشاء ؟ أو يقولوا ما قالوا بعد أن علم آدم الأسماء ، وأثبت بالدليل عجزهم ؟ أعنى أن يقولوا: { سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ } مباشرة بعد قوله لهم: { إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً } [البقرة/30] ؟