وهو تصوير دقيق لصاحب الحاجة الشديدة والفقر: من العمي والمقعدين وفي التعبير (تشخيص فني) للحوادث، إذ صورها قد أطمعت فيه فقيرًا أو أعمى، فكأنها حثت وحرضت عليه هذين الصنفين من المحتاجين.
و (الدَّقَعُ) يعني الرضا باليسير القليل من المعيشة، مع سوء احتمال الفقر. [1] ووردت (مَداقِيع) جمعًا (مُدْقِع) فقال واصفًا الكلاب:
مَجَازِيْعُ فقرٍ مَدَاقِيعُهُ ... مَسَارِيفُ حِينَ يُصِبْنَ اليَسَارَا [2]
ويلحظ هنا ضرب من التناسق الموسيقي بين (المداقيع) ولفظ تقدمَها وهو (المجازيع) ، إذ كلاهما بزنة (مفاعيل) .
و (الجَزْعِ) : نقيض الصبر، وقد جزع جزعًا وجزوعًا فهو جازع وجزعٌ [3] . ومن الألفاظ الدالة على الفقر لفظة (خَصاصَةٍ) وهي الحاجة الشديدة [4] ، وهي لفظة قرآنية، وقد وصف بها ذئبًا لقيهُ في بعض المناطق، فقال:
تَضَوَّرَ يَشْكُومَا بهِ من خصَاصَةٍ ... وَكادَ مِن الإفصَاحِ بِالشَّكْوِ يُعرَبُ [5]
ويلحظ هنا في هذا البيت ظاهرتان لغويتان، إحداهما استعماله لفظة قرآنية، إذ قال تعالى في الثناء على فريق من المؤمنين: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [6] ، فأثنى سبحانه على هؤلاء المؤمنين الذين يقدمون غيرهم على أنفسهم فيؤثرونهم بما عندهم دون أنفسهم، ولو كان بهم حاجة ماسة إلى ما قدموه له.
والظاهرة الثانية، أن الكميت شخص هذا العنصر من عناصر الطبيعة الحية، وهو الذئب، فجعله يشكو ما به لفرط حاجته وجوعه. وهو تشخيص فني، لعنصر من عناصر الطبيعة الحية، الحيوانية.
وعلى الضد من ألفاظ (الفقر) ألفاظ (الغِنى) وقد وردت لفظة (الغِنى) تسع مرات في الديوان [7] ، والغنى ضد الفقر [8] :
لا شَاكِراتٍ إذا غَنِيْنَ وَلا ... فِي فَقْرِهِنَّ الجَفَاءُ مُرْتأَبُ [9]
(1) لسان العرب (دقعَ) 1/ 996.
(2) الديوان 1/ 210، ينظر الهاشميات 97.
(3) أساس البلاغة (جزع) 58، لسان العرب (جزَعَ) 1/ 454.
(4) لسان العرب (خصَصَ) 1/ 841.
(5) الديوان 1/ 86.
(6) الحشر 9.
(7) الديوان 1/ 126، 1/ 858، 1/ 86، 1/ 251، 2/ 120، الهاشميات 143، 97، 103، القصيدة النونية 204.
(8) أساس البلاغة (غنا) 320، لسان العرب (غنا) 2/ 1023.
(9) الهاشميات 143.