4581 - (حَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي رواية أبي ذرٍّ (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ) هو أبو عبد الله الرَّملي، يعرف بابن الواسطي لأنَّ أصله من واسط، وثَّقه العجلي، وليَّنه أبو زُرعة وأبو حاتم، وليس له في البُخاري إلَّا هذا الحديث وآخر في «الاعتصام» [خ¦7320] ، قال (حَدَّثَنَا) وفي رواية أبي ذرٍّ (أبُو عُمَرَ) بضم العين (حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ) ضدُّ الميمنة، العُقيلي _ بالضم _ الصَّنعاني، نزيل عسقلان (عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ) العدوي المدني (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) بالسين المهملة المخففة الهلالي المدني مولى ميمونة (عَنْ أبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ(الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ
ج 19 ص 282
أنَّ أُنَاسًا)بضم الهمزة، وفي رواية أبي ذرٍّ والأصيلي وابن عساكر بحذف الهمزة (فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعَمْ) أي ترونه يوم القيامة، وهذه الرُّؤية غير الرُّؤية التي هي ثوابٌ للأولياء وكرامةً لهم في الجنَّة؛ إذ هذه الرُّؤية هي رؤيةُ الامتحان المميَّزة بين من عبد الله، ومن عبد غيره.
وفيه ردٌّ على أهل البدعِ من المعتزلة والخوارج وبعضِ المرجئة في قولهم إنَّ الله تعالى لا يراه أحدٌ من خلقه، وإنَّ رؤيته مستحيلةٌ عقلًا، وهذا الَّذي قالوه خطأٌ صريحٌ وجهلٌ قبيحٌ، وقد تظاهرت أدلَّة الكتاب والسُّنَّة وإجماع الصَّحابة فمن بعدهم من سلف الأمَّة على إثبات رؤية الله تعالى في الآخرة للمؤمنين، رواها نحوٌ من عشرين صحابيًّا عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والكلام فيه مستقصًى في كتب الكلام، وأمَّا رؤية الله تعالى في الدُّنيا فممكنةٌ، ولكنَّ الجمهور من السَّلف والخلف من المتكلِّمين وغيرهم على أنَّها لا تقع في الدُّنيا.
وحكى الإمام القشيري في «رسالته» عن الإمام أبي بكر بن فورك أنَّه حكى فيها قولين للإمام أبي الحسن الأشعري أحدهما وقوعه، والآخر أنَّها لا تقع.
(هَلْ تُضَارُّونَ) في ضبطه روايات الأولى تُضَارُون _ بضم أوله وضم رائه من غير تشديد _، من الضَّير وهو المضرَّة، كما في قوله تعالى {قَالُوا لَا ضَيْرَ} [الشعراء 50] ؛ أي لا ضرر، ومعناه هل يلحقكم في رؤيته ضيرٌ.
الثَّانية تُضارُّون _ بضم أوله ورائه مشددة _، بصيغة المفاعلة، من الضَّرر.
الثَّالثة تَضارَّون _ بفتح التاء وتشديد الضاد وتخفيفها وتشديد الراء _ ومعناه هل تضارون غيركم في حال الرُّؤية بزحمة ومخالفة في الرُّؤية أو غيرها لخفائه، كما تفعلون أوَّل ليلةٍ من الشَّهر.
قال الخطَّابي أصله هل تتضارون؛ أي هل تتزاحمون عند رؤيته حتَّى يلحقكم الضَّرر، ووزنه تتفاعلون، فحذفت إحدى التاءين، ويُروى بتشديد الميم وفتح أوله، ومعناه هل تتضامون وتتوصلون إلى رؤيته، وأصله من الانضمام، ويُروى أيضًا بضم التاء وتخفيف الميم من الضَّيم، وهو المشقَّة والتَّعب، والمعنى لا تضرُّون أحدًا ولا يضرُّكم أحدٌ بمنازعةٍ ولا مجادلةٍ ولا مضايقة.
ج 19 ص 283
(فِي رُؤْيَةِ الشَّمس بِالظَّهِيرَةِ) وهي وقت اشتداد حرِّ الشَّمس في نصف النَّهار في الصَّيف ولا يقال ذلك في الشِّتاء ذكره تأكيدًا لما قبله.
(ضَوْءٍ) بالجر بدل ممَّا قبله، وزاده تأكيدًا بقوله (لَيْسَ فِيهَا سَحَابٌ. قَالُوا لا، قَالَ) أي النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَهَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، ضَوْءٍ لَيْسَ فِيهَا سَحَابٌ. قَالُوا لا) وقال الكرماني وفي بعض النسخ ؛ أي بلفظ فَعل بفتح الفاء (قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلا كَمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ أحَدِهِمَا) التَّشبيه الواقع هنا إنَّما هو في الوضوح وزوال الشَّكِّ والمشقَّة والاختلاف، لا في المقابلة والجهة وسائر الأمور التي جرت العادة بها عند الرُّؤية، فالرُّؤية له تعالى حقيقةٌ لكنَّا لا نكيفها بل نكلُ كُنْه معرفتها إلى علمه تعالى.
(إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ) أي نادى منادٍ (تَتْبَعُ) بسكون المثناة الفوقية، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحمويي والكُشميهني بتشديدها، وفي روايته عن المستملي بزيادة فاء مع سكون الفوقية، وفي كلها بالرفع، ويروى بالجزم بتقدير اللام، كما في قوله تعالى {قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ} [إبراهيم 31] .
(كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ، فَلا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ مِنَ الأصْنَامِ) جمع صنم، قال ابن الأثير الصَّنم ما اتُّخذ إلهًا من دون الله، وقيل هو ما كان له جسمٌ أو صورةٌ، فإن لم يكن له جسمٌ أو صورةٌ فهو وثنٌ (وَالأنْصَابِ) جمع نصُب _ بضم الصاد وسكونها _ وهو حجرٌ كانوا ينصبونه في الجاهليَّة ويتَّخذونه صنمًا يعبدونه، وقيل هو حجرٌ كانوا ينصبونه ويذبحون عليه فيتحمَّر بالدم.
(إِلا يَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ. حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ، بَرٌّ) بفتح الباء؛ أي هو برٌّ (أوْ فَاجِرٌ) البرُّ هو الَّذي يأتي بالخير ويطيع ربَّه، يُقال فلانٌ يبرُّ خالقه ويتبرره؛ أي يُطيعه، ويجمع على أبرار، والبار يجمعُ على بررة، والفاجر المنهمك في المعاصي والفجور، من فجر يفجر من باب نصر ينصر فجورًا.
(وَغُبَّرَاتُ أهْلِ الْكِتَابِ) بضم الغين المعجمة وتشديد الموحدة المفتوحة بعدها راء، جمع
ج 19 ص 284
غبر، وهو جمع غابر، والمعنى بقايا أهل الكتاب، من غبر الشَّيء يغبر غبورًا إذا مكث وبقي، والغابر الباقي، والغابر الماضي. قال الأزهري هو من الأضداد، ثمَّ قال والمعروف الكثير أنَّ الغابرَ الباقي (فَيُدْعَى الْيَهُودُ، فَيُقَالُ لَهُمْ مَنْ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحمويي والمستملي (كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا كُنَّا نَعْبُدُ عُزَيْرَ ابْنَ اللَّهِ، فَيُقَالُ لَهُمْ كَذَبْتُمْ) قال الكرماني التَّصديق والتَّكذيب راجعان إلى الحكم الموقع لا إلى الحكم المشار إليه لأنه إذا قيل زيد بن عمرو جاء فكذبته، فقد كذبت المجيءَ لا كونه ابن عَمرو، والمقصود هنا تكذيب كون عزير ابن الله، تعالى عن ذلك، وأجاب عنه بأنَّه نفيُ اللازم، وهو كونه ابن الله ليلزم نفي الملزوم وهو عبادةُ ابن الله تعالى، أو نقول الرُّجوع المذكور هو مقتضى الظَّاهر، وقد يتوجَّه بحسب المقام إليهما جميعًا، أو إلى المشار إليه فقط، والظَّاهر هنا هو الثَّالث بقرينة قوله (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ صَاحِبَةٍ وَلا وَلَدٍ، فَمَاذَا تَبْغُونَ؟) أي تطلبون.
(فَقَالُوا عَطِشْنَا رَبَّنَا) بإسقاط أداة النداء (فَاسْقِنَا، فَيُشَارُ) أي إليهم (أَلَا تَرِدُونَ؟ فَيُحْشَرُونَ إِلَى النَّارِ، كَأنَّهَا سَرَابٌ) بالسين المهملة، هو الَّذي تراه نصف النَّهار في الأرض القفر والقاع المستوي في الحرِّ الشَّديد لامعًا مثل الماء {يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا} [النور 39] (يَحْطِمُ) بكسر الطاء؛ أي يكسر، ومنه سُمِّيت النَّار الحُطُمة؛ لأنَّها تحطِّم كلَّ شيءٍ (بَعْضُهَا بَعْضًا) لشدَّة اتِّقادها وتلاطم أمواج لهبها (فَيَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ. ثُمَّ يُدْعَى النَّصَارَى، فَيُقَالُ لَهُمْ مَنْ كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا كُنَّا نَعْبُدُ الْمَسِيحَ ابْنَ اللَّهِ، فَيُقَالُ لَهُمْ كَذَبْتُمْ، مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ صَاحِبَةٍ وَلا وَلَدٍ، فَيُقَالُ لَهُمْ مَاذَا تَبْغُونَ؟ فَكَذَلِكَ مِثْلَ الأوَّلِ) أي فقالوا عطشنا ربَّنا ... إلى آخره.
(حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ، مِنْ بَرٍّ أو فَاجِرٍ، أتَاهُمْ رَبُّ الْعَالَمِينَ) أي ظهر لهم، وأشهدهُم رؤيته من غير تكييفٍ ولا حركةٍ ولانتقال، فالإتيان مجاز عن الظُّهور، وقيل الإتيان عبارةٌ عن رؤيتهم إيَّاه؛ لأنَّ العادة أنَّ من غاب عن غيره لا يمكنه رؤيته إلَّا بالإتيان، فعبَّر بالإتيان هنا عن الرُّؤية مجازًا، وقيل الإتيان فعل من أفعالِ الله تعالى سمَّاه إتيانًا، وقيل المراد بالإتيان إتيان بعض ملائكته.
وقال القاضي عياض هذا الوجه أشبُه عندي.
(فِي أدْنَى صُورَةٍ) أي في أقربها، قال الخطَّابي الصُّورة الصِّفة يُقال صورة هذا الأمر كذا؛ أي صفته، أطلق الصُّورة على سبيل المشاكلة والمجانسة (مِنَ الَّتِي رَأوْهُ فِيهَا) أي من الصُّورة التي عرفوه فيها، والرُّؤية بمعنى العلم؛ لأنَّهم لم يروه قبل ذلك، ومعناه يتجلَّى الله لهم على الصِّفة التي يعرفونه بها؛ لأنَّه لا يشبه شيئًا من مخلوقاته فيعلمون أنَّه ربهم فيقولون أنت ربَّنا.
(فَيُقَالُ مَاذَا تَنْتَظِرُونَ، تَتْبَعُ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ، قَالُوا فَارَقْنَا النَّاسَ) أي الَّذين زاغوا عن الحقِّ والطَّاعة (فِي الدُّنْيَا عَلَى أفْقَرِ) أي أحوج (مَا كُنَّا إِلَيْهِمْ) يعني لم نتبعهم في الدُّنيا مع الاحتياج إليهم في معايشنا ومصالح دنيانا (وَلَمْ نُصَاحِبْهُمْ) بل قاطعناهم، ففي هذا اليوم بالطَّريق الأولى (وَنَحْنُ نَنْتَظِرُ رَبَّنَا الَّذِي كُنَّا نَعْبُدُ) في الدُّنيا (فَيَقُولُ أنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ لا نُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا. مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا) وفائدة قولهم هذا مع أنَّ يوم القيامة ليس يوم التَّكليف هي الاستلذاذُ والافتخارُ به، والتِّذكار لسبب النِّعمة التي وجدوها.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّ المفهوم من معناه أنَّ الله تعالى يحكمُ يوم القيامة بين عباده المؤمنين والكافرين بعدله، ولا يظلمُ أحدًا منهم مثقال ذرَّةٍ.