9 - (باب {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا} ) أخبر الله سبحانه وتعالى بهذهِ الآية الكريمة عن هول يوم القيامة وشدَّة أمرهِ وشأنه، والاستفهام استفهام توبيخٍ؛ أي فكيف حال الكفَّار أو صنيعهم إذا جئنا من كلِّ أمَّةٍ منهم بشهيدٍ يشهدُ عليهم بما فعلوا، وهو نبيُّهم، (( فكيف ) )في محلِّ رفع على أنَّه خبر مبتدأ محذوف، والعاملُ في (( إذا ) )هو هذا المقدر.
وقال الزَّمخشري فكيف يصنعُ هؤلاء الكفرة من اليهود
ج 19 ص 285
وغيرهم إذا جئنا من كلِّ أمَّةٍ بشهيدٍ يشهد عليهم بما فعلوا، وهو نبيُّهم كقوله {وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ} [المائدة 117] .
هذا فعلى هذا يكون (( كيف ) )في محلِّ نصب بفعل محذوفٍ إمَّا على التشبيه بالحال كما هو مذهب سيبويه، أو على التَّشبيه بالظرف، كما رأي الأخفش، وهو العاملُ في (( إذا ) )أيضًا (( من كلِّ أمَّةٍ ) )متعلِّقٌ بجئنا. والمعنى أنَّه يؤتى بنبيِّ كلِّ أمَّةٍ يشهد عليها ولها.
{وَجِئْنَا بِكَ} [1] يا محمَّد {عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا} ؛ أي تشهد على صدق هؤلاء الشُّهداء لحصول علمك بعقائدهم لدَلالة كتابك وشرعك على قواعدهم. وقال أبو حيَّان الأظهر أنَّ هذه الجملة في موضع جر عطفًا على (( جئنا ) )الأول؛ أي فكيف يصنعون في وقتِ المجيئين. وفي «التَّلويح» واختلف في المعنى بقوله هؤلاء من هم؟. فعند الزَّمخشري هم المكذِّبون، وقال مقاتل هم كفَّار أمَّة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وفي «تفسير» ابن النَّقيب هم سائر أمَّته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وإذا كان كذلك ففيه قولان أحدهما أنَّه يشهد عليهم، والثَّاني أنَّه يشهد لهم، فعلى هذا يكون (( على ) )بمعنى اللام، وقيل المرادُ بهم اليهود والنَّصارى، وقيل هم كفَّار قريشٍ دون غيرهم، وفي الَّذي يشهدُ به أقوالٌ أربعة
الأول أنَّه يشهد أنَّ النَّبي قد بلَّغ أمَّته، قاله ابن مسعود وابن جريج والسُّدِّي ومقاتل.
الثَّاني أنَّه يشهد بإيمانهم، قاله أبو العالية.
الثَّالث أنَّه يشهد بأعمالهم، قاله مجاهدٌ وقَتَادة.
الرابع أنَّه يشهد لهم وعليهم، قاله الزَّجاج، والله أعلم.
(الْمُخْتَالُ وَالْخَتَّالُ وَاحِدٌ) أشار بهذا إلى قوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا} [النساء 36] والمختال المتكبِّر؛ أي يتخيَّل في صورة من هو أعظم منه كبرًا.
وقال الزَّمخشري هو التَّيَّاه الجهول الَّذي يتكبَّر عن إكرام أقاربه وأصحابه، وقوله «واحدٌ» يعني في المعنى، وفيه نظرٌ؛ لأنَّ المختال من الخيلاء، والختَّال _ بتشديد المثناة الفوقية _ من الختلِ، وهو الغدر والخديعةُ، فلا يُناسب معنى التَّكبُّر والتَّعاظم.
وهكذا وقع في رواية الأكثرين، وفي رواية الأصيلي المختال والخال واحد، بدون الفوقية، وصوَّبه
ج 19 ص 286
ابن مالك وغيره، وكذا هو في كلام أبي عبيدة، قال في قوله تعالى {مُخْتَالًا فَخُورًا} المختالُ ذو الخيلاء والخال واحدٌ، قال ويجيء مصدرًا. قال العجَّاج والخال ثوبٌ من ثياب الجهَّال.
قال الحافظُ العسقلاني والخال يُطلقُ لمعانٍ كثيرةٍ نَظَمها بعضهم في قصيدةٍ، فبلغ نحوًا من العشرين يعني ومن جملة تلك المعاني معنى المتكبِّر بمعنى الخائل، وكلام القاضي عياض يقتضي أنَّ الَّذي في رواية الأكثر بالمثناة التحتية لا الفوقية.
( {نَطْمِسَ} [النساء 47] نُسَوِّيَهَا حَتَّى تَعُودَ كَأقْفَائِهِمْ، طَمَسَ الْكِتَابَ مَحَاهُ) أشار به إلى قوله تعالى {مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا} [النساء 47] وفسَّره بقوله «نُسَوِّيها، حتَّى تعودَ كأقفائهم» وهو مختصرٌ من كلام أبي عبيدة، قال في قوله تعالى {مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا} ؛ أي نسوِّيها حتَّى تعودَ كأقفائهم، يُقال الرِّيح طمست الآثار؛ أي محتها، وطمس الكتاب؛ أي محاه.
وأسند الطَّبري عن قَتَادة المراد أن تعودَ الأوجه في الأقفية. وعن قَتَادة نذهب بالشِّفاه والأعين والحواجبُ فنردها أقفاء. وقال أبي بن كعب هو تمثيلٌ، وليس المراد حقيقتها حسًّا، وأشار بقوله «طمس الكتاب» إلى أنَّ الطَّمس يجيء بمعنى المحو أيضًا.
( {سَعِيرًا} [النساء 55] وُقُودًا) أشار به إلى قوله تعالى {وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا} [النساء 55] وفسَّر {سَعِيرًا} بقوله «وقودًا» ، وكذا فسَّره أبو عبيدة قال في قوله {وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا} ؛ أي وقودًا.
تنبيه ليست هذه الآية محلَّ تلك التَّفاسير، وإنَّما هو من الرُّواة حيث لم يضعوها في محلِّها، أو من نفس المؤلِّف رحمه الله، فلعلَّه ما أدرك إلى وضعِ هذه التَّفاسير في محلِّها، ثمَّ استمرَّت على ذلك.
[1] في هامش الأصل {وَجِئْنَا بِكَ} يا محمد {عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا} تشهدُ على صدق هؤلاء الشهداء لعلمك بعقائدهم واستجماع شرعك لمجامع قواعدهم، وقيل هؤلاء إشارة إلى الكفرة المستفهم عن حالهم، وقيل إلى المؤمنين، كقوله تعالى {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة 143] . قاضي.