6101 - (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) قال (حَدَّثَنَا أَبِي) حفص بن غياث، قال (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران، قال (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) على صيغة اسم الفاعل. قال الحافظُ العسقلاني هو ابنُ صُبيح أبو الضُّحى، ووهم من زعم أنَّه ابن عمران البطين.
قال العيني غمزَ بذلك على الكرماني، وأنَّه لم يجزم بذلك، بل قال إمَّا مسلم بن عمران البطين، وإمَّا مسلم بن صُبيح، مصغَّر الصُّبح، وكلاهما بشرط البُخاري، يرويان عن مسروق، والأعمشُ يروي عنهما، وقد أخرجه مسلم من طريق جرير عن الأعمش، فقال عن أبي الضُّحى، ومن طريق حفص بن غياث، التي أخرجها البُخاري من طريقه، فقال نحو جرير. ومن طريق عيسى بن يونس عن الأعمش كذلك. ومن طريق أبي معاوية عن الأعمش عن مسلم.
(عَنْ مَسْرُوقٍ) أي ابن الأجدع أحد الأعلام، أنَّه قال (قَالَتْ عَائِشَةُ) رضي الله عنها (صَنَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا) لم يُوقَف على معرفتهِ (فَرَخَّصَ فِيهِ) من التَّرخيص، وهو خلافُ التَّشديد؛ يعني سهَّل فيه من غير منع. وفي رواية مسلم من طريق أبي معاوية عن الأعمش (( رخَّص النَّبي صلى الله عليه وسلم في أمر ) ).
(فَتَنَزَّهَ عَنْهُ قَوْمٌ) وفي رواية مسلم من طريق جرير عن الأعمش فبلغ ذلك ناسًا من أصحابه، فكأنهم كرهوهُ، وتنزَّهوا عنه، ولم تُعرف أعيان القوم المذكورين (فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَطَبَ) وفي رواية أبي معاوية (( فغضبَ حتى بانَ الغضب في وجهه، فخطبَ ) ).
(فَحَمِدَ اللَّهَ، ثُمَّ قَالَ مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَتَنَزَّهُونَ) أي يحترزون (عَنِ الشَّيْءِ أَصْنَعُهُ) وفي رواية جرير (( بلغهُم عني أمرٌ ترخَّصت فيه، فكرهُوه، وتنزَّهوا عنه ) )، وفي رواية أبي معاوية (( يرغبونَ عمَّا رُخِّص لي فيه ) ) (فَوَاللَّهِ إِنِّي لأَعْلَمُهُمْ بِاللَّهِ وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً) جمع بين القوَّة العلمية والعملية؛ أي إنهم توهَّموا أن رغبتهم عمَّا فَعَلَ أقربُ لهم عند الله، وليس كذلك، إذ هو أعلمهم
ج 26 ص 14
وأولاهم بالعمل بها.
وقد تقدَّم معنى هذا الحديث في (( كتاب الإيمان ) )، من رواية هشام بن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا أمرهُم أمرهُم من الأعمال بما يُطيقون ... الحديث، وفيه فيغضبُ، ثمَّ يقول (( إن أتقاكُم وأعلمكُم بالله أنا ) ) [خ¦20] .
قال ابن بطَّال كان صلى الله عليه وسلم رفيقًا بأمَّته، فلذلك خفَّف عنهم العتاب؛ لأنَّهم فعلوا ما يجوز لهم من الأخذ بالشِّدَّة، ولو كان ذلك حرامًا لأمرهُم بالرُّجوع إلى فعله.
وقال الحافظُ العسقلاني أمَّا المتابعة فقد حصلت منه لهم بلا ريب، وإنما لم يُميِّز الذي صدرَ منه ذلك سترًا عليه، فحصل منه الرِّفق من هذه الحيثيَّة، لا بترك العتاب أصلًا.
وأمَّا استدلاله بكون ما فعلوه غير حرامٍ فواضحٌ، من جهة أنَّه لم يلزمهم بفعل ما فعله.
وفي الحديث الحث على الاقتداءِ بالنَّبي صلى الله عليه وسلم، وذم التَّعمق والتَّنزه عن المباح، وحسنِ العشرة عند الموعظة والإنكار والتَّلطُّف في ذلك.
قال الحافظُ العسقلاني ولم أعرف أعيان القومِ المشار إليهم في هذا الحديث، ولا الشَّيء الذي ترخَّص فيه صلى الله عليه وسلم.
ثمَّ وجدتُ ما يمكن أن يُعرَفَ به ذلك، وهو ما أخرجه مسلم في كتاب الصيام من وجه آخر، عن عائشة رضي الله عنها أنَّ رجلًا قال يا رسول الله، أأصبحُ جنبًا وأنا أريد الصِّيام؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( وأنا تدركني الصَّلاة وأنا جنبٌ، فأغتسلُ وأصومُ ) )، فقال يا رسول الله، إنَّك لست مثلنا، قد غفرَ الله لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخَّر. فغضبَ صلى الله عليه وسلم وقال (( إني أرجو أن أكون أخشاكُم لله، وأعلمكُم بما أتَّقي ) ).
ونحو هذا في حديث أنس رضي الله عنه، المذكور في (( كتاب النِّكاح ) ) [خ¦5063] أنَّ ثلاثة رهطٍ سألوا عن عملِ رسول الله صلى الله عليه وسلم في السِّر ... الحديث. وفيه قولهم وأين نحن من النَّبي صلى الله عليه وسلم، قد غفرَ الله له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر، وفيه قوله لهم (( والله إني لأخشاكُم وأتقاكُم له، ولكنِّي أصومُ وأفطرُ، وأصلِّي وأرقدُ،
ج 26 ص 15
وأتزوَّج النساء )) .
وجه المطابقة بين الحديث والتَّرجمة، أنَّ التَّرجمة في عدم مواجهة النَّاس بالعتابِ، وكذلك الحديث في عتاب قوم من غير مواجهتهم.
وقال ابن بطَّال إنما كان لا يُواجه النَّاس بالعتاب، إذا كان في خاصَّة نفسه، كالصَّبر على جهل الجهالِ وجفاء الأعراب.
ألا ترى أنَّه ترك الذي جبذ البردة من عنقهِ، حتى أثَّرت جبذتُه فيه [خ¦5809] ، وأمَّا إذا انتهكت من الدين حرمة، فإنَّه لا يترك العتاب عليها، والتَّقريع فيها، ويصدعُ بالحقِّ فيما يجبُ على منتهكها، ويقتصُّ منه صلى الله عليه وسلم.
وقد أخرج البُخاري الحديث في (( الاعتصام ) ) [خ¦7301] ، وأخرجه مسلم في (( فضائل النَّبي صلى الله عليه وسلم ) )، والنَّسائي في «اليوم واللَّيلة» .