19 - (باب) ذمِّ (الْمَنَّانِ بِمَا أَعْطَى) من الصَّدقة على مَن أعطاه، وإنما قدِّر هكذا؛ لأنَّ لفظ المنان يشعر بالذَّم؛ لأنَّه لا يذكر إلَّا في موضع الذَّمِّ في حقِّ بني آدم، قال تعالى {لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى} [البقرة 264] . فإذا كان المنُّ مبطلًا للصَّدقات كان من الأشياء الذَّميمة.
وقال القرطبي لا يكون المنُّ غالبًا إلَّا من البخل والكبر والعُجْب ونسيان منَّة الله تعالى فيما أنعم عليه، فالبخيل يعظِّم في نفسه العطيَّة وإن كانت حقيرةً في نفسها، والعُجْب يحمله على النَّظر لنفسه بعين العظمة، وأنَّه مُنْعِمٌ بماله على المُعْطَى له، والكبر يحمله على أن يحقِّر المُعْطَى له وإن كان في نفسه فاضلًا.
وموجب ذلك كله الجهل ونسيان منَّة الله تعالى فيما أنعم به عليه، ولو نظر ببصيرةٍ لعلم أن المنة للآخذ لما يزيل عن المعطي من إثم المنع وذمِّ المانع ولما يحصل له من الأجر الجزيل والثَّناء الجميل. انتهى.
وقد أَخبر النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالوعيد الشديد في حق المنَّان فيما رواه
ج 7 ص 107
مسلم من حديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه (( ثلاثةٌ لا يكلِّمهم الله المنان الَّذي لا يعطي شيئًا إلا منَّة، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب، والمسبل إزاره ) ).
وفي الباب أيضًا عن ابن مسعود، وأبي هريرة، وأبي أمامة، وعمران بن حصين، ومعقل بن يسار رضي الله عنهم، وإنَّما لم يذكر المؤلف في هذا البابِ حديثًا لأنَّه لم يتَّفق له حديث على شرطهِ فلذلك اكتفى [1] بذكر الآية المذكورة، والذي يقارب شرطه حديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه الذي ذُكر آنفًا، ولم تثبتْ هذه التَّرجمة إلا في رواية الكشميهني بغير حديث.
(لِقَوْلِهِ) عزَّ وجلَّ ( {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا} ) من الخيرات والصَّدقات ( {مَنًّا} ) على ما أعطوه بذكر الإعطاء له وتعداد نعمه عليه؛ أي لا يمنُّون به على أحدٍ لا بقول ولا بفعلٍ.
( {وَلَا أَذًى} ) أي ولا يفعلون مع مَن أحسنوا إليه مكروهًا بأن يتطاولوا عليه بسبب ما أنعموا عليه، فيحبطون به ما أسلفوا من الإحسان، فإذا مَدحهم الله تعالى بذلك فالَّذين يتبعون ما أنفقوا منًّا وأذىً يكونون مذمومين لا يستحقُّون من الخيرات ما يستحق الذين لا يفعلون ذلك وبضدِّها تَتَبيَّنُ الأشياء.
فاستقام التَّعليل بالآية الكريمة، والحاصل أنَّ المن بالصَّنيعة من العباد تكدير، ومن الله تعالى إفضال وتذكيرٌ لهم بنعمه، ومعنى ثمَّ في الآية إظهار التَّفاوت بين الإنفاق وترك المنِّ والأذى، وأنَّ تركهما خيرٌ من نفس الإنفاق كما جعل الاستقامة على الإيمان خيرًا من الدُّخول فيه في قوله {ثُمَّ اسْتَقَامُوا} .
(الآيَةَ) أي اقرأ الآية بتمامها، وهو قوله تعالى {لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ} ؛ أي ثوابهم على الله تعالى لا على أحدٍ سواه {وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} فيما يستقبلونه من أهوال القيامة {وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة 277] ؛ أي على ما خلَّفوه من الأولاد، ولا على ما فاتهم من الحياة الدُّنيا وزهرتها.
وذكر الواحدي عن الكلبي أنَّ هذه الآية نزلت في عثمان وعبد الرَّحمن بن عوف رضي الله عنهم فإنَّ عبد الرَّحمن بن عوف رضي الله عنه جاء إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأربعة آلاف درهم نصف ماله، وقال عثمان رضي الله عنه عليَّ جهاز من لا جهاز له في غزوة تبوك، فجهَّز جيش العسرة بألف بعيرٍ بأقتابها وأحلاسها.
وقال ابن بطَّال ذكر أهل التَّفسير أنَّها نزلت في الذي يعطي ماله المجاهدين في سبيل الله معونةً لهم على جهاد العدوِّ ثم يمنُّ عليهم بأنه قد صنع إليهم معروفًا إمَّا بلسانٍ أو بفعل، ولا ينبغي له أن يمنَّ به على أحدٍ لأنَّ ثوابه على الله تعالى، والله أعلم.
ج 7 ص 108
[1] من قوله (( في هذا الباب ... إلى قوله اكتفى ) )ليس في (خ) .