ج 3 ص 532
أعتمَ الشيء وعتَّمه إذا أخَّره، وعَتَمَت الحاجة وأَعْتَمت، إذا تأخَّرت (وَمَنْ رَآهُ) أي رأى إطلاق اسم العتمة على العشاء (وَاسِعًا) أي جائزًا، وإنَّما غاير المصنِّف بين هذه التَّرجمة والتي قبلها مع أن سياق الحديثين الواردين فيهما واحد وهو النَّهي عن غلبة الأعراب على التَّسميتين؛ لأنَّه لم يَثبُت عن النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إطلاق اسم العشاء على المغرب، وثبتَ عنه إطلاق اسم العَتَمة على العِشاء فتصرَّف المصنِّف في التَّرجمتين بحسب ذلك.
وقد اختلفَ السَّلفُ في ذلك فمنهم مَنْ كرهه كابن عمرَ رضي الله عنهما، وقد مرَّ حديثه قبيل هذه التَّرجمة [خ¦562] ، وزاد الشَّافعيُّ في روايته فيه وكان ابن عمر رضي الله عنه إذا سمعهم يقولون العتمة صاح وغضب، ومنهم من أطلق جوازه، نقله ابن أبي شيبة عن أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه وغيره، ومنهم مَنْ جعلَهُ خلافَ الأولى وهو الرَّاجح وسيأتي للمُصَنِّف [في شرح هنا الباب] ، وكذا نقله ابن المُنذر عن مالك والشَّافعي واختاره.
ونقلَ القُرطبيُّ عن غيره إنَّما نهى عن ذلك تنزيهًا لهذه العبادة الشرعيَّة الدِّينيَّة عن أن يطلق عليها ما هو اسم لفعلة دنيويَّة وهي الحَلَبة التي كانوا يحلبونها ذلك الوقت ويسمُّونها العتمة.
وذكر بعضهم أن تلك الحَلَبة إنما كانوا يعتملونها في زمان الجَدْب خوفًا من السُّؤَّال والصَّعاليك، فعلى هذا هي فِعْلَة دنيويَّة مكروهة لا تطلق على فعلة دينيَّة محبوبة.
وقال الطَّبري العَتَمة بقيَّة اللَّبَن تَغْبق بها الناقةُ بعد هوًى من الليل، فسمِّيت الصلاة بذلك؛ لأنَّهم كانوا يصلُّونها في تلك السَّاعة، وروى ابن أبي شيبة من طريق ميمون بن مِهْرَان قال قلت لابن عمر رضي الله عنه من أوَّل من سمَّى صلاة العشاء العتمة؟ قال الشَّيطان.
(قَالَ) وفي رواية (أَبُو هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه، وهذا شُروعٌ في إيرادِ أطراف أحاديث محذوفة الأسانيد كلها صحيحة مخرَّجة في أمكنةٍ أخرى حاصلها ثبوت تسمية هذه الصَّلاة تارةً عتمة، وتارة عشاء، وأمَّا الأحاديث الَّتي لا تسمية فيها، بل فيها إطلاق الفعل كقوله أعتم النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ففائدة إيراده الإشارة إلى أنَّ النَّهي عن ذلك إنَّما هو لإطلاق الاسم لا لمنع تأخير الصَّلاة عن أوَّل الوقت.
(عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَثْقَلُ الصَّلاَةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ الْعِشَاءُ وَالْفَجْرُ)
ج 3 ص 533
لأنه وقت راحة البدن، وقد وَصله المؤلِّفُ في باب فضل العشاء جماعة.
(وَقَالَ) أي النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو أبو هريرة رضي الله عنه (لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالْفَجْرِ) أي لأتوهما ولو حبوًا، فسمَّى النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذه الصَّلاةَ تارة عشاء، وتارة عتَمة، وقد وصَلَه المؤلِّفُ في باب الأذان [خ¦615] والشَّهادات [خ¦2689] .
(وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) هو البخاري نفسه (وَالِاخْتِيَارُ أَنْ يَقُولَ الْعِشَاءُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى) وفي رواية ( {وَمِنْ بَعْدِ صَلاَةِ الْعِشَاءِ} ) [النور 58] وكأنَّه اقتبس ممَّا ثبت أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال (( لا تغلبنَّكم الأعراب على اسم صلاتكم العشاء فإنها في كتاب الله العشاء ) ).
وقال ابن المنيِّر هذا لا يتناوله لفظ التَّرجمة، فإن لفظ التَّرجمة يفهم منه التَّسوية، وهذا ظاهر في التَّرجيح.
وأُجيب عنه بأنَّه لا تُنَافي بين الجواز والأولويَّة، فالشَّيئان إذا كانا جائزي الفعل قد يكون أحدهما أولى من الآخر، وإنَّما صار عنده أولى لموافقته لفظ القرآن، ويترجَّح أيضًا بأنَّه أكثر ما وَرَدَ عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وبأنَّ تسميتها عشاء يُشْعِر بأوَّل وقتها بخلاف تسميتها عتمة فإنه يُشْعِرُ بخلافِ ذلك، على أنَّا لا نسلم أنَّ لفظ التَّرجمة يُفْهَمُ منه التَّسوية غاية ما في الباب أنَّه يُفْهم منه الخلاف، ومن نقل الخلاف لا يمتنع عليه أن يختار.
(وَيُذْكَرُ) على البناء للمفعول (عَنْ أَبِي مُوسَى) الأشعري رضي الله عنه (قَالَ كُنَّا نَتَنَاوَبُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي نأتي نوبة بعد نوبة (عِنْدَ صَلاَةِ الْعِشَاءِ فَأَعْتَمَ بِهَا) أي أخَّرها حتَّى اشتدَّت ظلمة اللَّيل.
وهذا التَّعليق وَصَله المؤلِّفُ في باب فضل العشاء مُطوَّلًا، ولفظه فيه فكان يتناوب النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عند صلاة العشاء كلَّ ليلةٍ نفرٌ منهم، فوافقنا النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنا وأصحابي وله بعض الشُّغل في أمره فأعَتَم بالصَّلاة، الحديثَ، وكأنَّه لم يجزم به لأنَّه اختصر لفظه.
نبَّه على ذلك الشَّيخ الحَافِظُ أبو الفَضْل، وأجاب به مَن اعترض على ابن الصَّلاح حيث فرَّق بين الصِّيغتين، وقال إنَّ تعليقاتِ البُخَاريِّ التي تُذْكر بصيغة التَّمريض لا تكون صحيحة عنده.
وحاصل الجواب أنَّ صيغة الجزم تدلُّ على القوَّة، وصيغة التَّمريض لا تدلُّ [1] ، ثمَّ بيَّن مناسبة العُدُولِ في حديث أبي موسى عن الجزم مع صحَّته إلى التَّمريض بأنَّ البخاري رحمه الله قد يفعل ذلك لمعنىً غير التَّضعيف، وهو ما ذكره من إيراد الحديث بالمعنى، وكذا الاقتصار على بعضه لوجود الاختلاف في جوازه وإن كان المؤلِّف يرى الجواز.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (وَعَائِشَةُ)
ج 3 ص 534
رضي الله عنها (أَعْتَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالعَتَمَةِ) أي أخَّر صلاة العَتَمة أو أبطأ بها؛ وقوله (بِالْعِشَاءِ) بدل من قوله «بالعتمة» .
أمَّا حديث ابن عبَّاس رضي الله عنه فوَصَلَه المؤلِّفُ في باب النَّوم قبل العشاء ولفظه فيه قلت لعطاء فقال سمعتُ ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما يقول (( أعتم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليلةً بالعشاء حتَّى رقد النَّاس. .. ) ) [خ¦571] الحديثَ.
وأمَّا حديثُ عائشةَ رضي الله عنها فوصله المؤلِّف في باب فضل العشاء ولفظه عن عروة، أنَّ عائشة رضي الله عنه أخبرته أعتم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليلة بالعشاء [خ¦566] .
وكذلك وَصَله في باب النَّوم قبل العشاء عن عروة أنَّ عائشة رضي الله عنه قالت أعتم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالعشاء ... الحديثَ [خ¦569] .
(وَقَالَ بَعْضُهُمْ) يُرْوَى (عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها (أَعْتَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعَتَمَةِ) أي دخل في وقت العتمة، وقد وصَلَه المُؤلِّف في باب خروج النِّساء إلى المساجد باللَّيل، من طريق شُعَيبٍ عن الزُّهريِّ عن عُرْوة فيها [خ¦864] وأخرجه النَّسائي أيضًا بهذا الطريق، ولمَّا ذكر المُؤلِّفُ رحمه الله ثلاث تعليقات عن ثلاثة من الصَّحابة وهم أبو موسى الأشعري، وابن عبَّاسٍ، وعائشةَ رضي الله عنه وفيها ذكر العَتَمة وأعتم شرع يذكر عن خمسة من الصَّحابة رضي الله عنه تعليقات أخرى فيها ذكر العشاء فقال
(وَقَالَ جَابِرٌ) أي ابن عبد الله الأنصاريُّ (كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الْعِشَاءَ) أي أحيانًا وأحيانًا، وهذا طرف من حديث وصله المؤلِّف في باب وقت المغرب [خ¦560] ، وفي باب وقت العشاء مطوَّلًا [خ¦565] (وَقَالَ أَبُو بَرْزَةَ) الأسْلَميُّ رضي الله عنه (كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُؤَخِّرُ الْعِشَاءَ) وهذا طرف من حديث وَصَلَه المؤلِّفُ في باب وقت العصر [خ¦547] الذي مضى قبلَ هذا الباب بستَّة أبواب من حديث سيَّار بن سلامة.
(وَقَالَ أَنَسٌ) أي ابن مالك رضي الله عنه (أَخَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعِشَاءَ الآخِرَةَ) وهذا طرف من حديث وصله المؤلِّف مطوَّلًا في باب وقت العشاء إلى نصف اللَّيل [خ¦572] (وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب رضي الله عنهما (وَ) قال (أَبُو أَيُّوبَ) الأنصاريُّ خالد بن زيد الخزرجي رضي الله عنه.
(وَ) قال (ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ) أمَّا حديث ابن عمر رضي الله عنه فوَصَله المؤلِّف في الحج [خ¦1673] بلفظ (( صلَّى النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
ج 3 ص 535
المغرب والعشاء بالمزدلفة جميعًا )) .
وأما حديث أبي أيُّوب فوصله أيضًا بلفظ (( جمع النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حجَّة الوداع بين المغرب والعشاء ) ) [خ¦1674] . وأمَّا حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما فوَصَلَه في باب تأخير الظُّهر إلى العصر [خ¦543] كما تَقدَّم، وكذا أسنده أبو داود وابن ماجه.
[1] في هامش الأصل قوله وصيغة التمريض لا تدل وإنما قال لا تدلُّ، ولم يقل يدلُّ على الضَّعف؛ لأنها قد تدلُّ على معنى غير التضعيف عند البخاري كما هاهنا. منه.