25 - (باب {أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ} ) وفي رواية أبي ذرٍّ وسقط في بعض النُّسخ لفظ ، وقوله {أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ} نصب بفعل محذوف يدلُّ عليه سياق الكلام تقديره صوموا أيَّامًا؛ أي في أيَّامٍ معدودات؛ أي مؤقَّتات بعددٍ معلوم. وقيل منصوب بقوله {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} ؛ أي لعلَّكم تتقون في أيام، وهذا النصب إمَّا على الظرفية، كما قدرنا، وإمَّا على المفعول به اتِّساعًا.
وقال الزَّمخشري انتصاب {أَيَّامًا} بالصِّيام، كقولك نويت الخروج يوم الجمعة، وقال الحافظُ العسقلاني وللزَّمخشري في إعرابه كلامٌ متعقَّبٌ ليس هذا موضعه.
وقال العيني التَّعقيب في كلام المتعقِّب من غير تأمُّلٍ، ولقد سمعتُ الأساتذة الكبار من علماء العرب والعجم أنَّ من ردَّ على الزَّمخشري في غير الاعتقاديَّات فهو ردٌّ عليه، والمتعقِّب هو أبو البقاء حيث قال لا يجوز أن ينصبَ بالصيام لأنَّه مصدر، وقد فرَّق بينه وبين {أَيَّامًا} بقوله {كَمَا كُتِبَ} وما يعمل فيه المصدر كالصِّلة، ولا يفرِّق بين الصِّلة والموصول بأجنبيٍّ، انتهى.
وقال القاضي أيضًا نصبها ليس بالصِّيام لوقوع الفصلِ بينهما بل بإضمار صوموا [1] ، هذا وقال العيني للزَّمخشري فيه دقَّةُ نظرٍ، وهو أنَّه إنَّما قال انتصاب {أَيَّامًا} بالصِّيام نظرًا إلى أنَّ قوله {كَمَا كُتِبَ} حال، فلا يكون أجنبيًّا عن العامل والمعمول، وقال صاحب «اللُّباب»
ج 19 ص 76
يجوز أن ينتصبَ بالصِّيام إذا جعلت {كَمَا كُتِبَ} حالًا. وقال الزَّجَّاج الأجود أن يكون العامل في {أَيَّامًا} {الصِّيَامُ} كأنَّ المعنى كُتب عليكم أن تصوموا أيَّامًا معدودات، ولقد أجاد من قال
~وَكَمْ مِنْ عَائِبٍ قَوْلًا صَحِيحًا وَآفَتُهُ مِنَ الْفَهْمِ السَّقِيمِ
وقيل نُصب بكُتب إمَّا على الظَّرف، أو على المفعول به، وردَّه أبو حيَّان فقال أما النصب على الظرف فإنَّه محلٌ للفعل، والكتابة ليست واقعةً في الأيَّام لكن متعلَّقها هو الواقع في الأيَّام، وأمَّا على المفعول اتِّساعًا، فلأنَّ ذلك مبنيٌّ على كونه ظرفًا لكُتب، وقد تقدَّم أنَّه خطأ، والمراد بالأيَّام المعدودات أيَّام رمضان.
( {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا} ) أي مرضًا يضرُّه الصَّوم ويشقُّ عليه معه ( {أَوْ عَلَى سَفَرٍ} ) في موضع نصب عطفًا على خبر {كَانَ} أي أو راكبَ سفرٍ، وكلمة أو للتنويع ( {فَعِدَّةٌ} ) أي فعليه صوم أيَّام المرض أو السَّفر، وقُرئ بالنصب؛ أي فليصم عدَّة ( {مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} ) أي إن أفطرَ، فحذف الشَّرط والمضاف والمضاف إليه للعلم بذلك، وفي قراءة أبيٍّ رضي الله عنه (( من أيام أخر متتابعات ) ).
( {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} ) أي الصَّوم؛ أي الذين لا عذر لهم أن يفطروا إن أفطروا ( {فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} ) نصف صاعٍ من برٍّ أو صاعٍ من غيره، وكان ذلك في أوائل الإسلام حين فرض عليهم الصَّوم ولم يتعوَّدوه فاشتدَّ عليهم، فرخَّص لهم في الإفطار والفدية، ثمَّ نسخ ذلك، وقرأَ ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( يُطَوَّقونه ) )؛ أي يُكلَّفونه. وعنه (( يتطوَّقونه ) )؛ يعني يتكلَّفونه وهم الشُّيوخ والعجائز وحكمهم الإفطار والفدية.
( {فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا} ) أي زاد على مقدار الفدية ( {فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ} ) أي فالتَّطوُّع خيرٌ له، وقرأ حمزة والكسائي (( يطوع ) )بمعنى يتطوع، و «له» في محل رفع على أنَّه صفةٌ لخير؛ أي خير كائنٍ له ( {وَأَنْ تَصُومُوا} ) أي وصومكم أيُّها المطيقون، فأن مصدرية والفعل في تأويله مرفوعٌ بالابتداء، خبره ( {خَيْرٌ لَكُمْ} ) أي من الفدية وتطوُّع الخير ( {إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} ) شرط حذف جوابه؛ أي إن كنتم من أهل العلم والتَّدبُّر علمتم أنَّ الصَّوم خيرٌ لكم، وفي قراءة أبي رضي الله عنه (( والصيام خير لكم ) ).
(وَقَالَ عَطَاءٌ) وهو ابنُ أبي رباح (يُفْطِرُ مِنَ الْمَرَضِ كُلِّهِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى) أي قال عطاء بن أبي رباح يفطر المريضُ مطلقًا أيَّ مرضٍ كان، كما قال الله عزَّ وجلَّ من غير قيدٍ، وهذا التَّعليق وصله
ج 19 ص 77
عبدُ الرَّزَّاق عن ابن جريج قال قلت لعطاء من أيِّ وجعٍ أفطر في رمضان؟ قال من المرض كلِّه؟ قلت يصومُ فإذا غلب عليه أفطر؟ قال نعم.
وقد اختلف السَّلف في الحدِّ الَّذي إذا وجده المكلَّف جازَ له الفطر، والذي عليه الجمهور أنَّه المرض الَّذي يُبيح له التَّيمُّم مع وجود الماء، وهو ما إذا خاف على نفسه لو تمادى على الصَّوم أو على عضوٍ من أعضائه أو زيادةٍ في المرض الَّذي بدأ به أو تماديه.
وعن ابنِ سيرين متى حصل الإنسان في حالٍ يستحقُّ بها اسم المرض، فله الفطر، وهذا نحو قول عطاء، وعن الحسن والنَّخعي إذا لم يقدر على الصَّلاة قائمًا أفطر.
(وَقَالَ الْحَسَنُ) أي البصري (والنَّخَعِيُّ) هو إبراهيمُ (فِي الْمُرْضِعِ) ولو كان في المرضع من غيرها (أَوْ الْحَامِلِ إِذَا خَافَتَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا أَوْ وَلَدِهِمَا تُفْطِرَانِ ثُمَّ تَقْضِيَانِ) كذا وقع في رواية أبي ذرٍّ والأصيلي، وفي رواية غيرهما بالواو وهو أظهر.
فأمَّا تعليق الحسن فوصله عبد بن حميد من طريق يونس بن عبيد عنه؛ أي عن الحسن البصري قال المرضع إذا خافت على ولدها أفطرت وأطعمت، والحامل إذا خافت على نفسها أفطرت وقضتْ، وهي بمنزلة المريض. ومن طريق قتادة عن الحسن تُفطران وتقضيان.
وأمَّا تعليق إبراهيم النَّخعي فوصله عبد بن حميد أيضًا من طريق أبي مَعْشر عنه قال الحامل والمرضعُ إذا خافتا أفطرتا وقضتا صومهما، قيل [2] ويجب مع ذلك الفدية في الخوف على الولد أخذًا من آية {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ} [البقرة 184] قال ابن عبَّاس رضي الله عنهما إنَّها نسخت إلَّا في حقِّ الحامل والمرضع، رواه البيهقيُّ عنه لا في الخوف على النَّفس كالمريض فلا فدية.
(وَأَمَّا الشَّيْخُ الْكَبِيرُ إِذَا لَمْ يُطِقِ الصِّيَامَ) تقدير الكلام فإنَّه يفطر ويجب عليه الفدية دون القضاء، ويجوز أن يقدر فقد استحقَّ الأكلَ فيأكل، أو فإنه يجوز له أن يفطرَ ويفدي، وقوله (فَقَدْ أَطْعَمَ) إلى آخره ليس جواب أمَّا، بل هو دليلٌ دالٌّ على الجواب المحذوف كما قدرنا (أَنَسٌ) رضي الله عنه (بَعْدَ مَا كَبِرَ) بفتح الكاف وكسر الموحدة؛ أي أسنَّ، وكان أنسٌ رضي الله عنه حينئذٍ في عشر المائة.
(عَامًا أَوْ عَامَيْنِ) شكٌّ من الرَّاوي(كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، خُبْزًا وَلَحْمًا،
ج 19 ص 78
وَأَفْطَرَ)روى عبد بن حميد من طريق النَّضر بن أنسٍ عن أنس رضي الله عنه أنَّه أفطرَ في رمضان وكان قد كبر فأطعم مسكينًا كلَّ يومٍ.
وفي «فوائد» محمد بن هشام بن مُلاس عن مروان بن معاوية عن حُميد قال ضعفَ أنسٌ عن الصَّوم عام توفي فسألت ابنه عمر بن أنس أطاق الصَّوم؟ قال لا، فلمَّا عرف أنَّه لا يطيقُ القضاء أمر بجفانٍ من خبزٍ ولحم فأطعم العدَّة أو أكثر.
(قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ {يُطِيقُونَهُ} ) من أطاق يطيق، كأقام يقيم (وَهْوَ أَكْثَرُ) من سائر القراءات، من دأب البُخاري أن يذكر عند عقيب آيةٍ من القرآن ما يتعلَّق بلغة لفظ أو بقراءة فيها.
[1] في هامش الأصل والمعنى كتب عليكم الصيام مشبهًا بصيام كتب على الذين من قبلكم. منه.
[2] في هامش الأصل قسطلاني.