فهرس الكتاب

الصفحة 7044 من 11127

1 - (باب قَوْلِهِ) تعالى، وسقط لفظ في رواية غير أبي ذرٍّ، ولم يثبت قوله {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ} . .. إلى آخره في رواية أبي ذرٍّ ( {يَا عِبَادِيَ} ) وفي نسخة < {قُلْ يَا عِبَادِيَ} > بزيادة {قُلْ} ( {الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ} ) أي في المعاصي ( {لاَ تَقْنَطُوا} ) أي لا تيأسوا ( {مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} ) الكبائر وغيرها الصَّادرة عن المؤمنين ( {إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} ) قيَّده بعضهم بالتَّوبة، لكن قال القاضي ناصر الدِّين تقييده بالتَّوبة خلاف الظَّاهر، وإضافة العباد لتخصيصهِ بالمؤمنين، كما هو عرف القرآن، وفي الآية من أنواع المعاني والبيان إقباله عليهم ونداؤهم، وإضافتهم إليه إضافة تشريفٍ، والالتفات من التكلُّم إلى الغيبة في قوله {مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ} وإعادة الظَّاهر بلفظه في قوله {إِنَّ اللَّهَ} وإبراز الجملة في قوله {إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} مؤكدة بإنَّ، وإعادة الصِّفتين السَّابقتين.

ثمَّ إن الذين أسرفوا عام في جميع المسرفين، ويغفر الذُّنوب جميعًا عام لكبائرها وصغائرها فيغفرُ مع التَّوبة وبدونها خلافًا للمعتزلة حيث ذهبوا إلى أنَّه يعفو عن الصَّغائر قبل التَّوبة، وعن الكبائر بعدها، وجمهورُ أهل السنَّة على أنَّه يعفو عن بعضِ الكبائر، ويعذِّب ببعضها إلَّا أنَّه لا علم لنا الآن بشيءٍ من هذين البعضين بعينه، وقال بعضُهم لا نقطع بعفوه عن الكبائر بلا توبةٍ بل نجوِّزه، واحتجَّ الجمهور بوجهين

الأوَّل أنَّ العفوَ لا يعذب عن الذَّنب مع استحقاقِ العذاب، ولا تقول المعتزلة بذلك الاستحقاق في غير صورة النِّزاع إذ لا استحقاقَ بالصَّغائر أصلًا، ولا بالكبائر بعد التَّوبة، فلم يبق إلَّا الكبائر قبل التَّوبة فهو يعفو عنها كما ذهبنا إليه.

الثَّاني أنَّ الآيات الدَّالة على العفو عن الكبيرة قبل التَّوبة نحو قوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء 48] فإنَّ ما عدا الشِّرك

ج 20 ص 565

داخلٌ فيه، ولا يمكن تقييدُه بالتَّوبة؛ لأنَّ الكفر معفوٌّ معها فيلزم التَّساوي ما نفي عنه الغفران، وما أثبت له وذلك ممَّا لا يليقُ بكلام عاقلٍ فضلًا عن كلامِ الله تعالى.

وقوله {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} عامٌّ للكلِّ، فلا يخرج عنه إلَّا ما أجمع عليه، كذا قرَّره الإمام القسطلاني. وقال الحافظُ العسقلاني واستدلَّ بعمومِ هذه الآية على غفران جميع الذُّنوب كبيرها وصغيرها سواء تعلَّقت بحقِّ الآدميين أم لا، والمشهورُ عند أهل السنَّة أنَّ الذُّنوب كلها تُغفرُ بالتَّوبة، وإنَّها تُغفرُ لمن شاء الله ولو مات على غير توبةٍ، لكن حقوق الآدميين إذا تاب صاحبها من العود إلى شيءٍ من ذلك تنفعه التَّوبة من العود، وأمَّا خصوص ما وقعَ منه فلا بدَّ له من ردِّه لصاحبه أو محاللتهِ منه.

نعم، في سعة فضل الله ما يمكنُ أنَّه يُعوِّض صاحب الحقِّ عن حقِّه، ولا يُعذِّب العاصي بذلك، ويرشد إليه عموم قوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء 48] والله تعالى أعلم. ثمَّ إنهم اختلفوا في سببِ نزول هذه الآية، فعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما نزلتْ في أهل مكَّة قالوا يزعم محمَّدُ أنَّه من قتل النَّفس التي حرَّمها الله وعبد الأوثان لم يُغفرْ له، فكيف نهاجر ونُسْلِم وقد عبدنا مع الله إلهًا آخر، وقتلنا النَّفس التي حرَّمها الله؟ فأنزلَ الله هذه الآية، وعنه أنَّها نزلت في وحشيٍّ قاتل حمزة، وعن قتادة ناس أصابوا ذنوبًا عظيمة في الجاهليَّة، فلمَّا جاء الإسلام أشفقوا أن لا يُتاب عليهم فدعاهم الله تعالى بهذه الآية إلى الإسلام، وعن ابن عمر رضي الله عنهما نزلت في عيَّاش بن أبي ربيعة، والوليد بن الوليد ونفرٍ من المسلمين كانوا قد أسلموا، ثمَّ فتنوا وعذِّبوا، فافتتنوا، فكنَّا نقول لا يقبلُ الله منهم صرفًا ولا عدلًا أبدًا قوم أسلموا ثمَّ تركوا دينهم لعذاب عُذِّبوا به، فنزلت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت