فهرس الكتاب

الصفحة 9445 من 11127

6340 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسي، قال (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري (عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ) بضم العين وتنوين الدال، اسمه سعد بن عُبيد (مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ) بفتح الهمزة والهاء بينهما زاي ساكنة آخره راء، اسمه عبد الرَّحمن

ج 26 ص 503

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يُسْتَجَابُ) أي يجاب دعاؤه. قال الكرماني يستجاب من الاستجابة بمعنى الإجابة (لأَحَدِكُمْ) أي لكلِّ واحدٍ منكم، إذ اسمُ الجنسِ المضاف يفيد العموم على الأصح (مَا لَمْ يَعْجَلْ) بفتح التَّحتية والجيم بينهما عين ساكنة (يَقُولُ) بيان لقوله (( ما لم يعجل ) )، وفي رواية أبي ذرٍّ بالفاء والنَّصب. (دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي) بضم التَّحتية وفتح الجيم.

قال ابن بطَّال المعنى أن يسأم ويترك الدُّعاء فيكون كالمانِّ بدعائه، وأنَّه أتى من الدُّعاء بما يستحقُّ به الإجابة فيصيرُ للمُبخِل للرَّبِّ الكريم الَّذي لا يعجزه الإجابة، ولا ينقصه العطاء. وقد وقع في رواية أبي إدريس الخولاني عن أبي هريرة رضي الله عنه عند مسلم والتِّرمذي (( لا يزالُ يستجابُ للعبد ما لم يدعُ بإثمٍ، أو قطيعة رحمٍ، وما لم يستعجل، قيل وما الاستعجالُ؟ قال يقول قد دعوت، وقد دعوتُ فلم أرَ يستجابُ لي، فيستحسر عند ذلك ويَدَعُ الدُّعاءَ ) ).

ومعنى قوله (( يستحسر ) )وهو بمهملات ينقطع، وأصله استفعال من حسر إذا عَيِيَ وتَعِبَ، وتكرار (( دعوتُ ) )للاستمرار؛ أي دعوت مرارًا كثيرة.

قال المظهري من كان له ملالةٌ من الدُّعاء لا يُقبَل دعاؤه؛ لأنَّ الدُّعاء عبادةٌ، حصلت الإجابة أو لم تحصل، فلا ينبغي للمؤمن أن يملَّ من العبادة، بل يلازم الطَّلب ولا ييأس من الإجابة لما في ذلك من الانقياد والاستسلام، وإظهار الافتقار حتَّى قال بعض السَّلف لأنَّا أشدُّ خشيةً أن أحرم الدُّعاء من أن أحرم الإجابة.

وكأنَّه أشار إلى حديث ابن عمر رضي الله عنهما رفعه (( من فُتِحَ له منكم باب الدُّعاء فتحت له أبواب الرَّحمة ) ). أخرجه التِّرمذي بسندٍ ليِّنٍ، وصححه الحاكم فوهم. قال الدَّاودي يخشى على من خالف وقال قد دعوت فلم يستجب لي أن يُحرم الإجابة، وما قام مقامها من الأجر والتَّكفير، انتهى.

وقد تقدَّم في أول (( كتاب الدعوات ) ) [خ¦1304 قبل] الأحاديث الدَّالَّة على أنَّ دعوة المؤمن لا تردُّ، وأنَّها إمَّا أن يعجل له الإجابة، وإمَّا أن يدفعَ عنه من السُّوء مثلها، وإمَّا أن يدَّخر له في الآخرة

ج 26 ص 504

خيرٌ مما سأل.

وإلى ذلك أشار ابن الجوزي بقوله اعلم أنَّ دعاء المؤمن لا يردُّ غير أنَّه قد يكون الأولى له تأخير الإجابة بأن يعوَّض بما هو أولى له عاجلًا أو آجلًا، فينبغي للمؤمن أن لا يترك الطَّلب من ربِّه، فإنَّه متعبَّدٌ بالدُّعاء، كما هو متعبَّدٌ بالتَّسليم والتَّفويض، انتهى.

والحاصل أنَّ تأخير الإجابة إمَّا لأنَّه لم يأتِ وقتها، فإنَّ لكلِّ شيءٍ وقتًا، وإمَّا لأنَّه لم يُقدَّر في الأزل فيؤول دعائه في الدُّنيا ليعطى عوضه في الآخرة، وإمَّا أن يؤخِّر القبول ليلحَّ ويبالغ في ذلك، فإنَّ الله تعالى يحبُّ الإلحاح في الدُّعاء، ومن يكثر قرع الباب يوشك أن يفتحَ له، ومن يكثر الدُّعاء يوشك أن يستجاب له. وللدُّعاء آداب

منها تحرِّي الأوقات الفاضلة كالسُّجود، وعند الأذان.

ومنها تقديم الوضوء، والصَّلاة، واستقبال القبلة، ورفع اليدين، وتقديم التَّوبة، والاعتراف بالذَّنب، والإخلاص، وافتتاحه بالحمد والثناء والصَّلاة على النَّبي صلى الله عليه وسلم، والسُّؤال بالأسماء الحسنى، وأن يختم الدُّعاء بالطابع وهو آمين، وأن لا يخصَّ نفسه بالدُّعاء بل يعمَّ ليُدرِج دعاؤه وطلبه في تضاعيف دعاء الموحِّدين، ويخلطُ حاجته بحاجتهم لعلَّها أن يقبلَ ببركتهم ويجاب، وأكثر أدلَّة ذلك ذكرت في هذا الكتاب.

وأصل ذلك كلِّه ورأسه اتِّقاء الشُّبهات فضلًا عن الحرام، وفي حديث مالك بن يسار مرفوعًا (( إذا سألتم الله فاسألوه ببطون أكفِّكم، ولا تسألوه بظهورها، فإذا فرغتُم فامسحوا بها وجوهكم ) )رواه أبو داود. ومن عادة من يطلب شيئًا من غيره أنَّه يمدُّ كفَّه إليه، فالدَّاعي يبسط كفَّه إلى الله تعالى متواضعًا متخشِّعًا.

وحكمة مسح الوجه بهما التَّفاؤل بإصابة ما طلب، والتَّبرُّك بإيصاله إلى وجهه الَّذي هو أعلى الأعضاء وأولاها فمنه يسري إلى سائر الأعضاء. وقال الكرماني هنا شرط الاستجابة العدمان عدم العجلة، وعدم القول؛ أي قوله (( دعوتُ فلم يستجبْ لي ) )، فما حكمه في الصُّور الثَّلاث

ج 26 ص 505

الباقية وهي وجودهما ووجود العجلة دون القول والعكس؟

وأجاب بأنَّ مقتضى الشَّرطيَّة عدم الاستجابة في الأوليين، وأمَّا الثَّالثة فهي غير متصوَّرة، ثمَّ قال قوله تعالى {أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة 186] مطلقٌ لا تقييد فيه.

وأجاب بأنَّه يحمل المطلقُ على المقيَّد كما هو مقرر في الدَّفاتر الأصوليَّة.

قال العيني وفيه نظرٌ لا يخفى، وجه النَّظر أنَّ الإجابة أعمُّ من تحصيل المطلوب بعينه، أو ما يقوم مقامه على أنَّ حملَ المطلق على المقيَّد ليس بمتَّفقٍ عليه بين الأصوليين. ثمَّ قال هذه الأخبار تقتضي إجابة كلِّ الدَّعوات الَّتي انتفى فيها العدمان، لكن ثبت أنَّه صلى الله عليه وسلم، قال (( سألتُ الله ثلاثًا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة ) )وهي أن لا يذيقَ أمَّته بأس بعض، وكذا مفهوم (( لكلِّ نبيٍّ دعوةٌ مستجابة ) ) [خ¦6304] أنَّ له دعواتٍ غير مستجابة.

وأجاب بأنَّ التَّعجيل من جبلة الإنسان قال تعالى {خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ} [الأنبياء 37] فوجود الشَّرط متعذِّرٌ أو متعسِّرٌ في أكثر الأحوال. وقد مرَّ أنَّ دعاء المؤمن لا يُرَدُّ وإن تأخَّر، وقد لا يكون في ما سأله مصلحةً له فيعوِّضه ما يُصلحه، وربَّما يؤخِّر تعويضه إلى يوم القيامة.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وقد أخرجهُ مسلم في (( الدَّعوات ) )، وأبو داود في (( الصَّلاة ) )، والتِّرمذي في (( الدَّعوات ) )، وابن ماجه في (( الدعاء ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت