قال المهلَّب من امتنعَ من قبول الفرائض نُظِرَ، فإن أقرَّ بوجوب الزَّكاة ومنعها بخلًا أخذت منه قهرًا ولا يقتل، فإن أضافَ إلى امتناعه نَصْبَ القتال قوتل إلى أن يَرجعَ. قال مالكٌ في «الموطأ» الأمر عندنا في من منعَ فريضةً من فرائضِ الله تعالى فلم يستطع المسلمون أخذها منه كان حقًّا عليهم جهاده، قال ابن بطَّال مرادُه إذا أقرَّ بوجوبها لا خلافَ في ذلك.
قال العينيُّ وهذا مختلفٌ فيه، فمن أبى أداء الزَّكاة وهو مقرٌّ بوجوبها فإن كان بين ظهرانينا ولم يطلب حربًا ولا امتنع بالسَّيف فإنَّها تؤخذ منه قهرًا، وتدفع إلى المساكين ولا يُقتل، وإنَّما قاتل الصِّدّيق رضي الله عنه مانعي الزَّكاة؛ لأنَّهم امتنعوا بالسَّيف ونصبوا الحربَ للأمَّة.
وأجمع العلماء أنَّ من نصبَ الحرب في منع فريضةٍ، أو مَنَعَ حقًّا يجبُ عليه لآدميٍّ، أنَّه يجب قتاله فإن أبى القتلَ على نفسه فدمُه هدرٌ. وأمَّا الصَّلاة فمذهبُ الجماعة أنَّ من تركها جاحدًا فهو مرتدٌّ، فيستتابُ، فإن تاب وإلَّا قتل، وكذلك جحدُ سائر الفرائض.
واختلفوا فيمن تركها تكاسلًا، وقال لستُ أفعلها؟ فمذهب الشَّافعيّ إذا ترك صلاةً واحدةً حتَّى أخرجها
ج 29 ص 22
عن وقتها؛ أي وقت الضَّرورة، فإنَّه يقتلُ بعد الاستتابة إن أصرَّ على التَّرك، والصَّحيح عنده أنَّه يقتل حدًّا لا كفرًا، ومذهب مالكٍ أنَّه يقال له صلِّ ما دام الوقت باقيًا فإن صلَّى تُرِك، وإن امتنع حتَّى خرجَ الوقت قُتل. ثمَّ اختلفوا فقال بعضُهم يُستتابُ، فإن تاب وإلَّا قتل، وقال بعضُهم يُقتل؛ لأنَّ هذا حدُّ الله عزَّ وجلَّ يقامُ عليه لا يسقطه التَّوبة بفعل الصَّلاة، وهو بذلك فاسقٌ كالزَّاني والقاتل لا كافرٌ.
وقال أحمدُ تارك الصَّلاة مرتدٌّ كافرٌ وماله فيء ولا يدفنُ في مقابرِ المسلمين سواءٌ ترك الصَّلاة جاحدًا أو تكاسلًا، وقال أبو حنيفة والثَّوريّ والمُزنيّ لا يقتلُ بوجهٍ، ويخلى بينه وبين الله تعالى.
قال العينيُّ المشهور من مذهب أبي حنيفة أنَّه يُعزَّر حتَّى يصلِّي، وقال بعض أصحابنا يضرب حتَّى يخرج الدَّم من جلده.
(وَمَا نُسِبُوا إِلَى الرِّدَّةِ) قال الكرمانيُّ ما نافية، كذا قال، وقال الحافظ العَسقلاني والَّذي يظهر أنَّها مصدرية؛ أي ونسبتهم إلى الرِّدَّة، وقال العينيُّ الأظهر أنَّها موصولةٌ والتَّقدير وقتل الَّذين نسبوا إلى الرِّدة.
قال القاضي عِياض وغيره كان أهل الرِّدة ثلاثة أصنافٍ
صنفٌ عادوا إلى عبادة الأوثان.
وصنفٌ تبعوا مسيلمة والأسود العَنسيّ، فإنَّ كلًّا منهما ادَّعى النُّبوة قبل موت النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فصدّق مسيلمةَ أهلُ اليمامة وجماعة غيرهم، وصدّق الأسودَ أهلُ صنعاءَ وجماعة غيرهم، فقُتلَ الأسود قبل موت النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقليلٍ، وبقيَ بعضُ من آمن به، فقاتلهم عمَّال النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في خلافة أبي بكرٍ رضي الله عنه، وأمَّا مسيلمة فجهز إليه أبو بكر رضي الله عنه الجيش وعليهم خالد بن الوليد فقتلوه.
وصنفٌ ثالثٌ استمرُّوا على الإسلام لكن جحدوا الزَّكاة، وتأوَّلوا أنَّها خاصَّةً بزمن النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهم الَّذين ناظر عمر أبا بكرٍ رضي الله عنهما في قتالهم، كما وقع في حديث الباب.
وقال أبو محمَّد بن حزم في «الملل
ج 29 ص 23
والنِّحل» انقسمت العرب بعد موت النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على أربعة أقسامٍ
طائفةٌ ثبتت على ما كانت عليه في حياته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهم الجمهورُ، وطائفةٌ بقيت على الإسلام أيضًا إلَّا أنَّهم قالوا نقيم الشَّرائع إلَّا الزَّكاة وهم كثيرٌ، ولكنَّهم قليلٌ بالنِّسبة إلى الطَّائفة الأولى، وطائفةٌ أعلنت بالكفر والرِّدَّة كأصحاب طُليحة وسجاح، وهم قليلٌ بالنِّسبة إلى من قبلهم، إلَّا أنَّه كان في كلِّ قبيلةٍ من يقاوم من ارتدَّ.
وطائفةٌ توقَّفت فلم تطع أحدًا من الطَّوائف الثَّلاث وتربَّصوا لمن تكون الغلبة؛ فأخرج أبو بكرٍ رضي الله عنه إليهم البعوث، وكان فيروزُ ومن معه غلبوا على بلاد الأسود وقتلوه، وقُتلَ مسيلمة باليمامة، وعاد طُليحة إلى الإسلام، وكذا سجاح، ورجعَ غالب من كان ارتدَّ إلى الإسلام، فلم يحل الحول إلَّا والجميع قد راجعوا دين الإسلام، ولله الحمد.