1 - (باب قَوْلِهِ تَعَالَى) وقد سقط لفظ في رواية غير أبي ذرٍّ ( {كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ} ) بيان وجه التَّشبيه بين الكلمة الطيِّبة والشَّجرة الطَّيبة موقوف على تفسيرهما، فالكلمةُ الطيِّبة كلمة التَّوحيد نُقل ذلك عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وهو قولُ الجمهور، أو كل كلمة حسنة كالحمد والاستغفار والتَّهليل، والشَّجرة الطيبة فيها أقوال فقيل كلُّ شجرة مثمرة كالنَّخلة وشجرة التِّين والرُّمان والعنب، وقيل النَّخلة، وقيل شجرة في الجنَّة، وقيل المؤمن، وقيل قريش، وقيل جوز الهند. فوجه التَّشبيه على القول الأوَّل الحسن والزهارة والطِّيب والمنَّافع الحاصلة من كلِّ واحدة من كلمة التَّوحيد
ج 20 ص 82
والشَّجرة الطيِّبة المثمرة.
وعلى القول الثَّاني وهو الذي عليه الجمهور كثرةُ الخير في العاجل والآجل، وحسنُ المنظر والشَّكل الموجودة في كلِّ واحدة من كلمة التَّوحيد والنَّخلة، فإنَّ كثرة الخير في العاجل والآجل مستمرَّة في صاحب كلمة التَّوحيد، وكذلك حسن المنظر والشَّكل في النَّخلة كذلك فإنَّها كثيرة الخير وطيِّبة الثَّمرة من حين تطلع يؤكل منها، حتَّى يتيبَّس، فإذا يبست يتَّخذ منها منافع كثيرة من خشبها وأغصانها وأوراقها ونواها، وقيل وجه التَّشبيه بينهما أنَّ رأسها إذا قُطع ماتت بخلاف باقي الشَّجر، وقيل لأنها لا تحمل حتَّى تلقح، وقيل إنَّها فضلة طينة آدم عليه السَّلام على ما رُوي، وقيل في علوِّ فروعها وارتفاعها كارتفاع عمل المؤمن، وقيل لأنها شديدةَ الثُّبوت كثبوت الإيمان في قلب المؤمنِ.
وعلى القول الثَّالث وهو أنَّها شجرة في الجنَّة، كما رواه أبو ظبيان عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، فوجه التَّشبيه بينهما الدَّوام والثَّبات على ما لا يخفى.
وأمَّا على القول الرَّابع فهو ارتفاع عمل المؤمن الصَّالح في كلِّ وقت، ووجود ثمرة النَّخلة في كلِّ حين.
وأمَّا على القول الخامس فهو ارتفاع القدر في كلِّ واحد من قريش والنَّخلة، أمَّا قريش فلا شكَّ أن قدرهم مرتفع على سائر قبائل العرب، وأمَّا النَّخلة فكذلك على سائر الأشجار من الوجوه التي ذُكرت.
وأمَّا القول السَّادس الذي هو جوز الهند فهو أنَّه لا يتعطَّل من ثمره على ما رواه ابن مردويه من حديث فرات بن السَّائب عن ميمون بن مهران، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما في قوله تعالى {تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ} [إبراهيم 25] قال هي شجرة جوز الهند لا تتعطَّل من ثمرها، تحملُ في كلِّ شهر. ورُوي عن عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه أيضًا.
قالَ السُّهيلي ولا يصحُّ، وكذلك المؤمن صاحب كلمة التَّوحيد لا يتعطَّل من عمله الصَّالح، هكذا قرَّره العيني، وفي بعضها نظرٌ كما لا يخفى. وللحاكم من حديث أنس رضي الله عنه الشَّجرة الطيِّبة النَّخلة، والشَّجرة الخبيثة الحنظلة.
( {أَصْلُهَا ثَابِتٌ} ) أي راسخ في الأرض ضارب بعروقها فيها، آمن من الانقطاع والزَّوال، والطِّيب إذا كان في معرض الانقراض حصل بسبب فنائه وزواله الحزن، فإذا علم أنَّه باقٍ عظم الفرح بوجدانه ( {وَفَرْعُهَا} ) أعلاها ( {فِي السَّمَاءِ} ) لأن ارتفاع الأغصان يدلُّ على ثبات الأصل، ومتى ارتفعت كانت بعيدة عن عقوبات الأرض، فثمارها نقيَّة
ج 20 ص 83
طاهرةٌ من جميع الشَّوائب، وهي نهايةٌ في الكمال ( {تُؤْتِي} ) أي تُعطي ( {أُكُلَهَا} ) أي ثمرها ( {كُلَّ حِينٍ} ) اختلفوا فيه فقال مجاهد وعكرمة وابن زيد كل سنة، وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما الحين حينان، حين يُعرف ويُدرك، وحين لا يعرف، فالأوَّل قوله {وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ} [ص 88] ، والثَّاني قوله {تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ} [إبراهيم 25] فهو ما بين العام ِّإلى العامِّ المقبل، وقال سعيد بن جُبير وقتادة الحين كل ستَّة أشهر ما بين صِرامها إلى حملها.
وقال الرَّبيع بن أنس {كُلَّ حِينٍ} كل غدوة وعشيَّة؛ لأنَّ ثمر النَّخل يؤكل أبدًا ليلًا ونهارًا صيفًا وشتاء أبدًا كذلك المؤمن يصعدُ عمله أوَّل النَّهار وآخره، وهي رواية عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أيضًا. وقال الضَّحاك الحين ساعة ليلًا ونهارًا صيفًا وشتاء، وثمر النَّخل يؤكل في جميع الأوقات، كذلك المؤمن لا يخلو من الخير في كلِّ الأوقات كلها.
فإن قيل ما الحكمة في التَّمثيل بالشَّجرة؟ فالجواب أنَّ الشَّجرة لا تكون شجرة إلَّا بثلاثة أشياء عرق راسخ، وأصل قائم، وفرع عال، فكذلك الإيمان لا يقوم ولا يُثمر إلَّا بثلاثة أشياء تصديق بالقلب، وقول باللِّسان، وعملٌ بالأركان، وقد سقط في رواية أبي ذرٍّ قوله {وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ} . .. إلى آخره وقال بعد قوله ثابت .