فهرس الكتاب

الصفحة 6418 من 11127

3 - (باب) بالتَّنوين بغير ترجمة في رواية الكلِّ (قَالَ مُجَاهِدٌ) سقطَ ما أورده عنه من التَّفاسير في رواية السَّرخسي؛ أي قال مجاهدٌ في تفسير قوله تعالى ( {إِلَى شَيَاطِينِهِمْ} ) في قوله تعالى {وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِيْنِهِمْ} [البقرة 14] (أَصْحَابِهِمْ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُشْرِكِينَ) وصله عبد بن حميد عن شبابة، عن ورقاء، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد، وسُمُّوا الشَّياطين؛ لأنَّهم ماثلوا الشَّياطين في تمرُّدهم، وهم المظهرون كفرهم، وإضافتهم إليهم للمشاركة في الكفرِ، قال القطب فهو استعارةٌ وإضافة الشَّياطين إليهم قرينة الاستعارة.

وروي من طريق شيبان عن قتادة قال إلى إخوانهم من المشركين ورؤوسهم وقادتهم في الشُّرور. وروى الطَّبري نحوه عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه، ومن طريق ابن عبَّاس

ج 19 ص 22

قال كان رجالٌ من اليهود إذا لقوا الصَّحابة قالوا إنَّا على دينكم، وإذا خلوا إلى أصحابهم، وهُم شياطينهم، قالوا إنَّا معكم.

ومعنى {خَلَوْا} رجعوا، ويجوز أن يكون من الخلوة، يقال خلوت به، وخلوت معه، وخلوت إليه، الكلُّ بمعنًى واحد.

قال الحافظُ العسقلاني والنُّكتة في تعدية {خَلَوْا} بإلى مع أنَّ أكثر ما يتعدَّى بالباء أنَّ الَّذي يتعدى بالباء يحتملُ الانفراد والسُّخرية، تقول خلوت به إذا سخرتَ منه، والَّذي يتعدَّى بإلى نصٌّ في الانفراد أفاد ذلك الطَّبري، ويحتمل أن يكون ضمَّن خلا معنى ذهب، وعلى طريقة الكوفيين بأنَّ حروف الجر تتناوبُ فإلى بمعنى الباء أو بمعنى مع. والشَّيطان المتمرِّد العاتي من الجنِّ والإنس ومن كلِّ شيءٍ، واشتقاقه من شطن؛ أي بَعُد عن الخير. وقيل من شاط يشيط إذا التهب واحترق أو بطل، فعلى الأوَّل النون أصلية، وعلى الثَّاني زائدة.

( {مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ} اللَّهُ جَامِعُهُمْ) أشار به إلى آخر قوله تعالى {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ} [البقرة 19] الآية، وفسَّره بقوله «الله جامعهم» . وهذا وصله عبد بن حميد بالإسناد المذكور عن مجاهد، ووصله الطَّبري أيضًا من وجهٍ آخر عنه وزاد في جهنَّم، ومن طريق ابن عبَّاس في قوله (( محيطٌ بالكافرين ) )قال مُنزِلٌ بهم النِّقمة.

قال البيضاوي كالزَّمخشري وإحاطة الله بالكافرين مجازٌ، والمعنى أنَّهم لا يفوتونه كما لا يفوت المحاط به المحيط به حقيقة، وجملة {وَاللَّهُ مُحِيْطٌ} اعتراضٌ لا محل لها من الإعراب، يعني هي جملة اسمية لم تقع موقع المفرد اعترضت بين جملة {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ} وجملة {يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ} .

وقال القطب قوله مجاز؛ أي استعارةٌ تمثيليَّةٌ شبَّه حاله تعالى مع الكفَّار في أنَّهم لا يفوتونه ولا محيص لهم عن عذابه بحال المحيط بالشَّيء في أنَّه لا يفوته المحاط، واستعير لجانب المشبَّه الإحاطة، والله تعالى أعلم.

( {صِبْغَةَ} دِيْنٌ) يريد قوله تعالى {صِبْغَةَ اللَّهِ} [البقرة 138] فسَّرها بالدِّين، وهذا أيضًا وصله عبد بن حميد من طريق منصور عن مجاهد قال {صِبْغَةَ اللَّهِ} ؛ أي دين الله. وروي من طريق ابن أبي نَجيح عنه قال

ج 19 ص 23

{صِبْغَةَ اللَّهِ} ؛ أي فطرة الله، ومن طريق قتادة قال إنَّ اليهود تصبغ أبناءها يهودًا، وكذلك النَّصارى، وإنَّ صبغة الله الإسلام، وهو دينُ الله الذي بعث به نوحًا ومن كان بعده، انتهى.

قال البيضاوي أي صبغنا الله صبغته، وهي فطرة الله الَّتي فطر النَّاس عليها، فإنَّها حلية الإنسان كما أنَّ الصِّبغة حلية المصبوغ. وقراءة الجمهور (( صبغة ) )بالنصب، وهو مصدر انتصب عن قوله {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} على الأرجح، وقيل منصوبٌ على الإغراء؛ أي الزموا، وكأنَّ لفظ (( صبغة ) )ورد بطريقِ المشاكلة؛ لأنَّ النَّصارى كانوا يغمسون من وُلِد منهم في ماء المعموديَّة، ويزعمون أنَّهم يطهِّرونهم بذلك فقيل للمسلمين الزموا صبغة الله، فإنَّها أطهر.

( {عَلَى الْخَاشِعِينَ} عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَقًّا) أشار به إلى قوله تعالى {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} [1] [البقرة 45] ثم فسَّر {الْخَاشِعِينَ} بقوله «على المؤمنين حقًّا» .

ووصله عبد بن حميد عن شبابة بالسَّند المذكور عن مجاهدٍ، وروى ابنُ أبي حاتم من طريق أبي العالية، قال في قوله {إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} ، قال يعني الخائفين. ومن طريق مقاتل بن حيَّان، قال يعني به المتواضعين.

(قَالَ مُجَاهِدٌ) أي أيضًا ( {بِقُوَّةٍ} يَعْمَلُ بِمَا فِيهِ) أشار به إلى قوله تعالى {خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ} [البقرة 63] فسَّرها بقوله «يعمل بما فيه» . وصله عبدُ بن حميد أيضًا عنه، وروى ابنُ أبي حاتم والطَّبري من طريق أبي العالية قال القوَّة الطَّاعة. ومن طريق قتادة والسُّدي القوَّة الجِدُّ والاجتهاد، وسقطَ في رواية أبي ذرٍّ قوله .

(وَقالَ أبُو العَالِيَةِ {مَرَضٌ} شَكٌّ) أشار به إلى قوله تعالى {فِي قُلُوْبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمْ اللَّهُ مَرَضًا} [البقرة 10] . وصله ابنُ أبي حاتم من طريق أبي جعفر الرَّازي عن أبي العالية رُفيع بن مهران الرِّياحي في قوله تعالى {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} أي شكٌّ، ومن طريق عليِّ بن أبي طلحة عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما مثله. ومن طريق عكرمة قال الرِّياء، ومن طريق قتادة في قوله {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} قال ريبةٌ وشكٌّ في أمر الله تعالى [2] .

( {وَمَا خَلْفَهَا} [البقرة 66] عِبْرَةً لِمَنْ بَقِيَ)

ج 19 ص 24

أشار به إلى قوله تعالى {فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة 66] [3] وفَسَّر قوله {وَمَا خَلْفَهَا} بقوله «عبرةً لمن بقي» ، ومعنى الآية والله تعالى أعلم (( فجعلناها ) )؛ أي المسخة الَّتي تُفهم من قوله {فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ*فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا} [البقرة 65 - 66] أي عبرةً تنكل من اعتبر بها؛ أي تمنعه، ومنه النَّكل، وهو القيدُ، وقوله {لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا} ؛ أي لما قبلها، وقوله {وَمَا خَلْفَهَا} ؛ أي وما بعدها من الأمم والقرون.

وكذا فسَّره أبو العالية، وقد وصله ابنُ أبي حاتم من طريق أبي جعفر الرَّازي عن أبي العالية في قوله تعالى {فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا} أي عقوبةً لما خلا من ذنوبهم وما خلفها؛ أي عبرةً لمن بقيَ بعدهم من النَّاس [4] .

وقال الزَّمخشري وقيل {نَكَالًا} عقوبةً منكلةً لما بين يديها لأجل ما تقدَّم [5] من الذُّنوب وما تأخَّر منها.

( {لَا شِيَةَ} [البقرة 71] لاَ بَيَاضَ) أشار به إلى قوله تعالى {إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا} [البقرة 71] وفسَّر قوله {لَا شِيَةَ} «لا بياض» . وقال الزَّمخشري {لَا شِيَةَ فِيهَا} لا لمعة في نقبتها من لونٍ آخر سوى الصُّفرة، فهي صفراء كلُّها حتَّى قرنها وظَلْفُها، والشِّية في الأصل مصدر وشاه وشيًا وشية إذا خلط بلونه لونًا آخر، وأصل شية وشي، حُذفت منه الواو ثمَّ عُوض عنها التاء كعدة ووعد [6] .

(وَقالَ غَيرُهُ) أي غير أبي العالية، وهو أبو عُبيد القاسم بن سلَّام ذكره كذلك المصنف في «الغريب» [7] ، وكذا قال أبو عبيدة مَعمر بن المثنى في «المجاز» ، وأراد بهذا أنَّ تفسير الألفاظ المذكورة إلى هنا من قول أبي العالية المذكور، والَّذي بعدها من غيره ( {يَسُومُونَكُمْ} [البقرة 49] يُوْلُونَكُمْ) أشار به إلى قوله تعالى {يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} [البقرة 49] وفسره بقوله «يُوْلونكم» _ بضم أوله وسكون الواو _، ومنه قول عَمرو بن كلثوم

~إِذَا ما الْمَلْكُ سَامَ النَّاسَ خَسْفًا أَبَيْنَا أَنْ نُقِرَّ الْخَسْفُ فِيْنَا

ويحتمل أن يكون من السَّوم بمعنى الدَّوام؛ أي يُديمون تعذيبكم، ومنه سائمة الغنم لمداومتها الرَّعي.

وقال الطَّبري معنى {يَسُومُونَكُمْ} يوردونكُم، أو يُذيقونكم أو يُوْلونكم، وقيل معناه يَصْرفونكم في العذاب مرَّةً كذا ومرَّةً كذا، كما يُفعل في الإبل

ج 19 ص 25

السَّائمة [8] .

(الوَلاَيَةُ _ مَفتُوحَةً _) أي حال كونها مفتوحة الواو (مَصْدَرُ الوَلاَءِ) بفتح الواو والمد (وَهِيَ الرُّبُوبِيَّة) ومن أسماء الله تعالى الوالي، وهو مالك الأشياء جميعها المتصرِّف فيها، ومن أسمائه تعالى أيضًا الولي؛ أي المتولِّي لأمور العالم والقائم بها (وإِذَا كُسِرَت الوَاوُ فَهِيَ الإِمَارَةُ) بكسر الهمزة، وهذا معنى كلام أبي عبيدة قال في قوله تعالى {هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ} [الكهف 44] {الوَلَايَةُ} بالفتح مصدر الولي، وبالكسر مصدر وليت العمل والأمر تليهِ، وإنَّما ذكر هذه ليؤيِّد بها تفسير {يَسُومُونَكُمْ} بقوله يُوْلونكم.

(وَقالَ بَعْضُهُمُ الحُبُوبُ الَّتي تُؤْكَلُ كُلُّهَا فُومٌ) أشار به إلى قوله تعالى {فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا} [البقرة 61] وحكى عن البعض وأراد به عطاء وقتادة حكاه الفرَّاء في «معاني القرآن» عنهما قالا الفوم كلُّ حبٍّ يختبز.

وروى ابن جرير الطَّبري وابنُ أبي حاتم من طرق عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما ومجاهد وغيرهما أنَّ الفوم الحنطة، وحكى ابنُ جرير أنَّ في قراءة ابن مسعود رضي الله عنه (( الثوم ) )بالمثلثة، وكذا قراءة طلحة والأعمش، وبه فسَّره سعيد بن جُبير وغيره فإن كان محفوظًا فالفاء تُبدل من الثاء في عدَّة أسماء فيكون هذا منها، والله تعالى أعلم.

وقال الزَّمخشري البقل ما أنبتته الأرض من الخضر، والمراد به أطائب البقول الَّتي يأكلها النَّاس كالنَّعناع والكرفس والكراث وأشباهها، والفوم الحنطة، ومنه فوموا لنا؛ أي اخبزوا.

(وَقالَ قَتَادَةُ) أي ابن دِعامة السَّدوسي ( {فَبَاؤُوا} [البقرة 90] فانْقَلَبُوا) أشار به إلى قوله تعالى {فَبَاؤوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ} ؛ أي للكفر والحسد على من هو أفضلُ الخلق، وقيل لكفرهم بمحمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد عيسى عليه السَّلام، أو بعد قولهم عزير ابن الله. وحكي تفسيره عن قتادة، وقد وصله عبدُ بن حميد عنه، قال قتادة {فَبَاؤوا} فانقلبوا. وقال الزَّمخشري باؤوا من قولك باء فلان بفلان إذا كان حقيقًا بأن يقتلَ به لمساواته له ومكافأته؛ أي صاروا أحقَّاء بغضبه.

وقال الزَّجاج البوء التَّسوية، فقوله باؤوا؛ أي استوى عليهم غضبُ الله، ويُقال البوءُ الرُّجوع؛ أي رجعوا وانصرفوا بذلك، وهو قريبٌ من تفسير قتادة، والله تعالى أعلم.

ج 19 ص 26

(وَقَالَ غَيرُهُ) أي غير قتادة، وهو أبو عبيدة ( {يَسْتَفْتِحُونَ} [البقرة 89] يَسْتَنْصِرُونَ) أشار به إلى قوله تعالى {وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا} [البقرة 89] وحُكي تفسيره بقولِ يستنصرون؛ أي يقولون اللَّهمَّ انصرنا بنبي آخر الزَّمان المنعوت في التَّوراة، وروى مثله الطَّبري من طريق العوفي عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، ومن طريق الضَّحَّاك عنه قال يستظهرون، وروى ابنُ إسحاق في «السِّيرة النَّبويَّة» عن عاصم بن عمر بن قتادة عن أشياخٍ لهم قالوا فينا وفي اليهود نزلت، وذلك أنا كنَّا قد علوناهُم في الجاهليَّة، فكانوا يقولون إنَّ نبيًّا سيُبعثُ قد أظلَّ زمانه فنقتلكُم معه، فلمَّا بعثَ الله نبيه واتَّبعناه كفروا به فنزلتْ.

وأخرجَه الحاكم من وجهٍ آخر مطولًا، فمعنى الآية والله تعالى أعلم {وَلَمَّا جَاءَهُمْ} ؛ أي اليهود {كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} وهو القرآنُ الَّذي أنزلَ على محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ} يعني من التَّوراة {وَكَانُوا} أي اليهود {مِنْ قَبْلُ} أي من قبل مجيءِ القرآن على لسان هذا النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا} أي يستنصرون بمجيئهِ على أعدائهم من المشركين إذا قاتلوهُم فيقولون إنَّه سيُبعث نبيٌّ في آخر الزَّمان نقتلكُم معه قتل عاد {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا} يعني فلمَّا بعث محمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ورأوه وعرفوه {كَفَرُوا بِهِ} حسدًا وخوفًا على الرِّئاسة {فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ} . قال الزَّمخشري أي عليهم، وضعًا للظَّاهر موضع المضمر، واللام للعهد، ويجوز أن يكون للجنس ويدخلوا فيه دخولًا أوَّليًا.

( {شَرَوْا} [البقرة 102] بَاعُوا) أشار به إلى قوله تعالى {وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ} [البقرة 102] وفسَّره بقوله «باعوا» ، وهو قول أبي عبيدة في ذلك، وكذا أخرجه ابن أبي حاتم من طريق السُّدي [9] .

( {رَاعِنَا} [البقرة 104] مِنَ الرُّعُونَة، إِذَا أرَادُوا أنْ يُحَمِّقُوا إِنْسَانًا، قالُوا رَاعِنًا) أشار به إلى قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا} [البقرة 104] نهى الله المؤمنين أن يتشبَّهوا بالكافرين في مقالهم وفعالهم، وذلك أنَّ اليهودَ كانوا يعانون من الكلام ما فيه توريةٌ لما يقصدونه من التنقص، فإذا أرادوا أن يقولوا اسمع لنا يقولون راعنا، ويورون بالرُّعونة، وهي الحماقة، ومنها الرَّاعن، وهو الأحمقُ، والأرعن مبالغةٌ فيه، فنهى الله تعالى المؤمنين

ج 19 ص 27

عن مشابهة الكفَّار قولًا وفعلًا، فقال {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا} الآية، وروى أحمد من حديث ابن عمر رضي الله عنهما عن النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( من تشبَّه بقومٍ فهو منهم ) ).

وقال الحافظُ العسقلاني هذا على قراءة مَن نَوَّن، وهي قراءة الحسن البصري وأبي حَيْوَة ووجهه أنَّها صفة لمصدر محذوف؛ أي لا تقولوا قولًا راعنًا؛ أي قولًا ذا رعونةٍ، وروى ابنُ أبي حاتم من طريق عبَّاد بن منصور عن الحسن قال الرَّاعن السِّخري من القول، نهاهم الله أن يسخروا من محمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ويحتمل أن يُضمَّنَ فيه القول معنى التسمية؛ أي لا تُسمُّوا نبيكم راعنًا، وفي قراءةِ أبي بن كعب رضي الله عنه لا تقولوا راعونا، وهي بلفظِ الجمع. وكذا في مصحف ابن مسعودٍ رضي الله عنه وفيه أيضًا (( أرعونا ) )، وقرأ الجمهور (( راعنا ) )بغير تنوين على أنَّه فعل أمرٍ من المراعاة، وإنَّما نُهوا عن ذلك؛ لأنَّها كلمةٌ تقتضي المساواة، وقد فسَّرها مجاهد لا تقولوا اسمع منَّا ونسمعُ منك. وعن عطاءٍ كانت لغة يقولها الأنصار فنهوا عنها.

وعن السُّدِّي قال كان رجلٌ يهوديٌّ يُقال له رفاعة بن زيد يأتي النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيقول له أرعني [10] سمعك واسمع غير مسمعٍ، وكان المسلمون يحسبون أنَّ في ذلك تفخيمًا للنَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فكانوا يقولون ذلك فنهوا عنه، وروى أبو نُعيم في «الدلائل» بسندٍ ضعيفٍ جدًا عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال راعنا بلسان اليهود السَّبُ القبيح، فسمع سعد بن معاذ رضي الله عنه ناسًا من اليهود يخاطبون بها النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال لئن سمعتها من أحدٍ منكم لأضربنَّ عنقه.

( {لَا تَجْزِي} [البقرة 48 - 123] لاَ تُغْنِي) أشار به إلى قوله تعالى {لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا} [11] وفسَّره بقوله «لا تُغني» ، وهو قولُ أبي عبيدة في قوله تعالى {لَا تَجْزِي نَفْسٌ} ؛ أي لا تُغني، وروى ابن أبي حاتم من طريق السُّدِّي قال يعني لا تغني نفسٌ مؤمنةٌ عن نفسٍ كافرةٍ من المنفعةِ شيئًا، وفي بعض النُّسخ وقع هنا (( {ابْتَلَى} اختبر ) ).

( {خُطُوَاتِ} [البقرة 168] مِنَ الخَطْوِ، وَالمَعْنى آثارَهُ) أشار به إلى قوله تعالى {لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} [البقرة 168] [12] وفسَّره بقوله «من الخَطْو، والمعنى آثاره» .

ج 19 ص 28

والخَطْو مصدر خطا يخطو خطوًا، والخُطُوة _ بالضم _ بعد ما بين القدمين في المشي، وبالفتح المرَّة، وجمع الخطوة في الكثرةِ خطى، وفي القلَّة خطوات بتثليثِ الطاء، ومعناها آثار الشَّيطان. وروى ابنُ أبي حاتم من طريق عكرمة قال (( خطوات الشَّيطان ) )نزغات الشَّيطان، ومن طريق مجاهد (( خطوات الشَّيطان ) )خُطاه. ومن طريق القاسم بن الوليد قلت لقتادة فقال كلُّ معصيةٍ لله فهي من خطوات الشَّيطان.

روى سعيد بن منصور عن أبي مِجْلز قال (( خطوات الشَّيطان ) )النُّذور في المعاصي، كذا قال، واللَّفظ أعمُّ من ذلك فمن في كلامه مقدَّرة، ثمَّ إنَّ جميع ما ذكر من قوله «قال مجاهد إلى هنا» ثابت للمُستملي والحمويي والكُشميهني ساقطٌ للسَّرخسي، ولهذا لا يوجد في كثيرٍ من النُّسخ، ويوجد بعضُها في بعض.

[1] في هامش الأصل والمعنى استعينوا على حوائجكم بانتظار النجح والفرج توكلًا على الله تعالى، أو بالصوم الذي هو الصبر عن المفطرات لما فيه من كسر الشهوة، وتصفية النفس، والتوسل بالصلاة، والالتجاء إليها، فإنها جامعة لأنواع العبادات النفسانية والبدنية من الطَّهارة وستر العورة وصرف المال فيهما، والتوجه إلى الكعبة والعكوف والاحتباس للعبادة، وإظهار الخشوع بالجوارح، وإخلاص النية بالقلب، ومجاهدة الشيطان، ومناجاة الحق، وقراءة القرآن، والتكلم بالشهادتين، وكف النفس عن الأطيبين؛ أي النوم والنكاح، أو الأكل والشرب، حتى تجابوا إلى تحصيل المآرب وجبر المصائب، روي أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا حزبه أمرٌ فزع إلى الصلاة؛ أي الالتجاء إليها، ويجوز أن يرادَ بها الدعاء، وإنها أي الاستعانة بهما أو الصلاة وتخصيصها لعظم شأنها واستجماعها ضروبًا من الصبر، أو جملة ما أمروا بها ونهوا عنها لكبيرة لثقيلة شاقة إلَّا على الخاشعين؛ أي المخبتين، والخشوع؛ أي الإخبات، ومنه الخشعة للرملة المتطامنة، والخضوع اللين والانقياد، ولذلك يُقال الخشوع بالجوارح، والخضوع بالقلب.

[2] في هامش الأصل ويقال كانت قلوبهم متألمة شديدة الغيظ على ما فات عنهم من الرئاسة، وحسدًا على ما يرون من ثبات أمر الرسول واستعلاء شأنه يومًا فيومًا وزاد الله غمهم بما زاد في إعلاء أمره وإشادة ذكره.

[3] في هامش الأصل {لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا} لما قبلها وما بعدها من الأمم إذ ذكرت حالهم في زبر الأولين، واشتهرت قصتهم في الآخرين أو لمعاصريهم ومن بعدهم، أو لما بحضرتها من القرى وما تباعد عنها، أو لأهل تلك القرية وما حولها، أو لأجل ما تقدَّم من ذنوبهم وما تأخر منها. بيضاوي.

[4] في هامش الأصل وأول قصة البقرة قوله تعالى {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا} الآية وقصته أنه كان فيهم شيخ موسر فقتله بنوا أخيه، وقيل بنوا عمه طمعًا في ميراثه، وطرحوه على باب المدينة، ثم جاؤوا يطالبون بدمه فأمرهم الله أن يذبحوا بقرة ويضربوه ببعضها ليحيا، فيخبر بقاتلهِ، فضربوه ببعضها قيل بأصغريها؛ أي القلب واللسان، وقيل بلسانها، وقيل بفخذها اليمنى، وقيل بالأذن، وقيل بالعجب، فحيي فأخبر، وقال قتلني فلان وفلان لبني عمِّه، ولم يورث قاتل بعد ذلك، وروي أنَّ شيخًا صالحًا كان له عجلة فأتى بها الغيضة، وقال اللَّهم إني استودعكها لابني حتى يكبرَ فشبت العجلة؛ أي صارت شابة وكانت وحيدة بالصِّفات المذكورة، فساموها اليتيم وأمه حتى اشتروها بملء مسكها ذهبًا، وكانت البقرة إذ ذاك بثلاثة دنانير، وكانوا طلبوا البقرة أربعين سنة.

[5] في هامش الأصل في نسخة ما تقدمها.

[6] في هامش الأصل روى أنهم لما ضربوه قام بإذن الله وأوداجه تشخب دماء، وقال قتلني فلان وفلان لبني عمه، ثم سقط ميتًا فأخذا وقتلا، ولم يورث قاتل بعد ذلك. (( كشاف ) ).

[7] في فتح الباري ذكره كذلك في «الغريب المصنَّف» . ولعل ما في الأصل مصحف.

[8] في هامش الأصل {يَسُومُونَكُمْ} يبغونكم، من سامه خسفًا إذا أولاه ظلمًا؛ أي أعطاه وأوصله.

[9] في هامش الأصل {بِئْسَمَا اشْتَرَوا بِهِ أَنْفُسَهُمْ} {مَا} نكرة بمعنى شيء مميزة لفاعل بئسَ المستكن، واشتروا صفته، ومعناه باعوا أو اشتروا بحسب ظنهم، فإنهم ظنُّوا أنهم خلصوا أنفسهم من العقاب بما فعلوا {أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} هو المخصوصُ بالذَّم {بَغْيًا} طلبًا لما ليس لهم وحسدًا، وهو علة أن يكفروا دون اشتروا للفصل {أَنْ يُنْزِلَ اللَّهُ} لأن ينزل، أي حسدوه على أن ينزلَ الله {مِنْ فَضْلِهِ} يعني الوحي {عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} على من اختاره للرِّسالة. بيضاوي.

[10] في هامش الأصل راعني.

[11] في هامش الأصل {وَاتَّقُوا يَوْمًا} أي ما فيه من العذاب والحساب {لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا} لا تقضي عنها شيئًا من الحقوق، أو شيئًا من الجزاء، فيكون نصبه على المصدر. بيضاوي.

[12] في هامش الأصل أي لا تقتدوا به في اتباع الهوى، ولا تمشوا في طريقه فتحرِّموا الحلال، وتحللوا الحرام، {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} ظاهر العداوة عند ذوي البصائر وإن كان يظهرُ الموالاة لمن يغويه، ولذلك سماه وليًا، في قوله {أَوْلِيَاؤهُمْ الطَّاغُوتُ} [البقرة 257] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت