6740 - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) هو ابنُ سعيدٍ، قال (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) أي ابن سعدٍ الإمام ذو المكارم والأخلاق الحميدة (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري (عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ) هو سعيد (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (أَنَّهُ قَالَ قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَنِينِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي لَحْيَانَ) جَنيْن _ بفتح الجيم وبنونين بينهما تحتية ساكنة _ بوزن عظيم، حمل المرأة ما دام في بطنها، سُمِّي بذلك؛ لاستتاره فإن خرج حيًّا فهو ولدًا، أو ميتًا فهو سقطٌ، وقد يطلق عليه [جنين] أيضًا، ولِحْيان بكسر اللام وفتحها وسكون المهملة بعدها تحتية.
قال البخاريُّ [خ¦6910] اقتتلت امرأتان من هُذَيل فرمت إحداهما الأخرى بحجرٍ قتلها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم الحديث. يُقال إنَّ الضَّاربة يُقال لها أمُّ عفيف بنت مسروح، والمضروبة مُليكة بنت عويم أو عويمر _ بالراء _ ذكره أبو عمر، وفي لفظ للبخاريِّ [خ¦6904] أنَّ امرأتين من هذيل رمت إحداهما الأخرى فطرحت جنينها. الحديث.
وهنا قال إنَّ المضروبة من بني لحيان ولا تخالف بينهما، فإنَّ لحيان بطنٌ من هُذَيل، وهو لحيان بن هذيل بن مُدركة، قال الجوهريُّ لحيان أبو قبيلة، وضبطه بكسر اللام، وفي رواية هذلية وعامريَّة، وفي إسنادها ابن أبي فروة،
ج 28 ص 257
وهو ضعيفٌ، وظاهرهما التَّعارض.
وفي «الصَّحيح» أنَّ إحداهما كانت ضرَّة الأخرى، وفي رواية من طريق مجالدٍ وكلٌّ منهما تحت زوجٍ، ولا منافاة أيضًا؛ لاحتمال إرادة كونهما ليستا غريبتين، وجاء أيضًا أنَّها ضربتها بعمودٍ فسطاط، وجاء فحذفتها، وجاء فدقت إحداهما الأخرى بحجرٍ. ولا تخالف؛ لاحتمال تكرُّر الفعل، وقد جاء ضربة أو أكثر.
(سَقَطَ) أي جنينها حال كونه (مَيِّتًا بِغُرَّةٍ) بضم الغين المعجمة وتشديد الراء، متعلِّق بقضى (عَبْدٍ) بالتنوين بيان لغرَّة، ويُروى بالإضافة أيضًا (أَوْ أَمَةٍ) وكلمة «أو» للتَّنويع، وليس للشَّكِّ، وعند أبي داود فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنينها بغرَّةِ عبدٍ أو أمَةٍ أو فرسٍ أو بغلٍ أو حمارٍ، والحديث معلولٌ.
وفي روايةٍ لابن أبي شيبة من حديث عطاء مرسلًا أو بغل فقط، وفي أخرى أو فرس. من حديث هشام عن أبيه، وقال به مجاهدٌ وطاوس، وفي الدَّارقطني من حديث معمر عن ابن طاوس عن أبيه أنَّ عمر رضي الله عنه قال أو فرس.
وقال ابن سيرين يُجزئ مائة شاةٍ، وفي بعض طرق أبي داود خمسمائة شاةٍ وهو وهمٌ، وصوابه مائة شاةٍ، كما نبَّه عليه أبو داود، وفي «مسند الحارث بن أبي أسامة» من حديث حمل بن مالك أو عشر من الإبل، أو مائة شاةٍ. وإسناده ضعيفٌ.
وروى وكيع عن عبد الله بن أبي بكرٍ عن أبي المليح الهذليِّ قال كان تحت حمل بن مالكٍ امرأتان امرأةٌ من بني سعدٍ، وامرأةٌ من بني لحيان، فرمت السَّعدية اللحيانيَّة فقتلتها وأسقطت غلامًا، فقضى صلى الله عليه وسلم في الجنين بغرَّة، فقال عويمر أحد من قضى عليهم بالغرَّة يا رسول الله لا غرَّة لي، فقال (( فعشرٌ من الإبل ) )قال يا رسول الله لا إبل لي، قال (( فعشرون ومائة من الشَّاة، ليس فيها عوراء، ولا فارض، ولا عضباء ) )قال يا رسول الله فأعنِّي بها في صدقة بني لحيان، فقال لرجلٍ (( فأعنه بها ) ).
وروى عبد الرَّزاق عن أبي جابرٍ البياضي، وهو واهٍ عن سعيد بن المسيَّب
ج 28 ص 258
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنين يُقتل في بطن المرأة بغرَّة في الذَّكر غلامٌ، وفي الأنثى جارية.
وقال أبو عمر الغرَّة معناها الأبيض يعني البيض، فإن لم يكن عبيد تلك البلدة بيضًا كان من السُّودان، وقال مالكٌ ويكون من أوسط عبيد تلك البلدة إن كان أكثرهم الحمران، فمن أوسطهم، وإن كان السُّودان فمن أوسطهم، وقال مالكٌ هو عبد أو وليدة.
(ثُمَّ إِنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي قَضَى) صلى الله عليه وسلم (عَلَيْهَا) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني (بِالْغُرَّةِ تُوُفِّيَتْ) وفي رواية «بالديات» [خ¦6910] (فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّ مِيرَاثَهَا) أي ميراث هذه المرأة المقتولة (لِبَنِيهَا) بتحتية ساكنة بعد النون المكسورة (وَزَوْجِهَا) لا لعصبتها الذي عقلوا عنها، فللزَّوج الرُّبع، ولبنيها ما بقي، هكذا قرَّره القسطلاني.
وقال الحافظ العَسقلاني ثمَّ ماتت الضَّاربة، فقضى النَّبي صلى الله عليه وسلم في الجنين بغرَّة، وأنَّ العقل على عصبة القاتلة، وبأنَّ ميراث المضروبة لبنيها وزوجها، فليتأمَّل.
(وَ) قضى صلى الله عليه وسلم (أَنَّ الْعَقْلَ) أي الدية وهي الغرَّة (عَلَى عَصَبَتِهَا) لأنَّ الإجهاض كان منها خطأ أو شبه عمدٍ، والدِّية فيهما على العاقلة، وأصله أنَّ القاتل إذا قتل قتيلًا جمع الدِّية من الإبل، فعقلها بفناء أولياء المقتول؛ أي شدَّها في عُقلها ليسلِّمها إليهم، ويقبضوها منه، فسُمِّيت الدِّية عقلًا بالمصدر، يُقال عقلَ البعير يعقله عقلًا، وجمعه عقول.
والعصبةُ الأقارب من جهة الأب؛ لأنَّهم يعصبونه ويعتصبُ بهم؛ أي يحيطون به ويشدُّ بهم.
قال أبو عمر جمهور النَّاس على أنَّ الميراث في هذه الغرَّة للورثة، والعقل على العصبة، واختلفوا على من تجب الغرَّة، فقالت طائفةٌ منهم مالك والحسن بن حي هي في مال الجاني، ثمَّ الكفَّارة، وهو قول الحسن والشَّعبي، ورُوي ذلك عن عمر رضي الله عنه، وبه قال إبراهيم وعطاء والحكم.
وقال آخرون هي على العاقلة، وممَّن قاله الثَّوري والنَّخعي وأبو حنيفة والشَّافعي وأصحابهم، وهو قول ابن سيرين وإبراهيم في روايةٍ، وحجَّتهم حديث المغيرة الَّذي فيه وجعل الغرَّة على عاقلة المرأة، وقال أبو عمر وهو نصٌّ ثابتٌ صحيحٌ في موضع الخلاف يجب الحكم به.
واختلفوا في قيمة الغرَّة؛ قال مالكٌ يقوّم بخمسين دينارًا، أو بستِّمائة درهمٍ نصف عشر دية الحرِّ المسلم الذَّكر، وعشر دية الحرَّة، وهو قول الزُّهري
ج 28 ص 259
وربيعة وسائر أهل المدينة، وقال أبو حنيفة وأصحابه وسائر الكوفيِّين قيمتها خمسمائة درهمٍ، وهو قول إبراهيم والشَّعبي.
واختلفوا في صفة الجنين الَّذي يجب فيه الغرَّة ما هو؟ فقال مالكٌ ما طرحته من مضغةٍ أو علقةٍ أو ما يعلم أنَّه ولدٌ ففيه الغرَّة، وإن سقط ولم يستهل ففيه غرَّة، وسواءٌ تحرَّك أو عطس ففيه الغرَّة، أبدًا حتَّى يستهلَّ ففيه الدِّية كاملة، وقال الشَّافعي لا شيءَ فيه حتَّى يتبيَّن من خلقه شيءٌ، فإن علمت حياته بحركةٍ أو بعطاسٍ أو باستهلالٍ أو بغير ذلك ممَّا يستيقنُ به حياته ثمَّ مات ففيه الدِّية.
وقال ابن عبد البرِّ وهو قول سائر الفقهاء، وأجمع الفقهاء على أنَّ الجنين إذا خرج ثمَّ مات، كانت فيه الدِّية أنَّ فيه الكفَّارة معها، فقال مالكٌ بقسامة، وقال أبو حنيفة بدونها، واختلفوا في الكفَّارة إذا خرج ميتًا، فقال مالكٌ فيه الغرَّة والكفَّارة، وقال أبو حنيفة والشَّافعي دون الكفَّارة، وبه قال داود.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وقد ذكره البخاريُّ في «الدِّيات» أيضًا [خ¦6904] ، وأخرجه مسلمٌ في الحدود، والتِّرمذي في الفرائض، وأبو داود، والنَّسائي في الدِّيات.
وقال التِّرمذي هذا الحديث رواه يونس عن الزُّهري عن سعيد وأبي سلمة، وروى مالكٌ عن الزُّهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وعن الزُّهري عن سعيد عن النَّبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا.