فهرس الكتاب

الصفحة 8559 من 11127

وتُعقِّب بأنَّه سُمِع أيضًا طِيَبة _ بكسر الطاء وفتح المثناة التحتية _ من تطيَّب من الطِّيب، ولكن الظَّاهر أنَّه اسمٌ لا مصدر كالتِّوَلة _ بكسر المثناة الفوقية وفتح الواو _، وجاء في الحديث (( التِّولة من الشِّرك ) )، وهو ما يُحبِّب المرأة إلى زوجها من السِّحر وغيره، وجعله من الشِّرك؛ لاعتقادهم أنَّ ذلك يُؤثِّر ويفعل خلاف ما قدَّره الله تعالى.

وأصل التَّطيُّر أنَّهم كانوا في الجاهليَّة يعتمدون على التَّطير، فإذا خرج أحدهم لأمر فإن رأى الطَّير طار يمنةً تيمَّن به واستمر، وإن طار عن يساره تشاءم به ورجع، وربمَّا كانوا ينفِّرون ويهيِّجون الطُّيور، أو الظِّباء، فإذا أخذت ذات اليمين تبرَّكوا به ومضوا في حوائجهم، وإن أخذت ذات الشَّمال رجعوا عن ذلك، وتشاءموا به، فأبطله الشَّرع وأخبر بأنَّه لا تأثير له في نفعٍ وضرٍّ.

وكانوا يسمُّونه السَّانح _ بمهملة ثمَّ نون ثمَّ حاء مهملة _، وهو ما ولاك ميامنه بأن يمرَّ عن يسارك إلى يمينك. والبارِح _ بموحدة وراء مكسورة ثمَّ حاء مهملة _، وهو بعكس ذلك وكانوا يتيمَّنون بالسَّارح، ويتشاءمون بالبارح، وليس في شيءٍ من سنوح الطَّير وبروحها ما يقتضِي ما اعتقدوه، وإنَّما هو تكلُّفٌ بتعاطي ما لا أصلَ له، إذ لا نطقَ للطَّير ولا تمييز، فيستدلُّ بفعله

ج 24 ص 493

على مضمون معنى فيه، وطلبُ العلم من غير مظانِّه جهلٌ من فاعله، وقد كان بعض عقلاء الجاهليَّة ينكر التَّطير ويتمدُّح بتركه، قال شاعر منهم

~وَلَقَدْ غَدَوْتُ وَكُنْتُ لَا أَغْدُو عَلَى وَاقٍ وَجَاثِمِ

~فَإِذَا الأَشَائِمُ كَالأَيَامِنْ وَالأَيَامِنُ كَالْأَشَائِمِ

وقال آخر

~الزُّجَّرُ وَالطُّيَّرُ وَالْكُهَّانُ كُلُّهُمُ مُضَلِّلُونَ وَدُونَ الْغَيْبِ أَقْفَالُ

وقال آخر

~وَمَا عَاجِلَاتُ الطَّيْرِ تُدْنِي مِنَ الفَتَى نَجَاحًا وَلَا عَنْ رَيْثِهِنَّ قُصُورُ

وقال آخر

~لَعَمْرُكَ مَا تَدْرِي الطَّوَارِقُ بِالْحَصَى وَلَا زَاجِرَاتُ الطُّيْرِ مَا اللَّهُ صَانِعُ

وقال آخر

~تَخَبَّرَ طِيَرَةً فِيهَا زِيَادٌ لِتُخْبِرَهُ وَمَا فِيهَا خَبِيرُ

~تَعَلَّمْ أَنَّهُ لَا طِيَرَ إِلَّا عَلَى مُتَطَيِّرٍ وَهُوَ الثُّبُور

~بَلَى شَيْءٌ يُوَافِقُ بَعْضَ شَيْءٍ أَحَايِينا وَبَاطِلُهُ كَثِيرُ

وكان أكثرهم يتطيَّرون ويعتمدون على ذلك، ويصحُّ معهم غالبًا تزيين الشَّيطان ذلك، وبقيت من ذلك بقايا في كثيرٍ من المسلمين، وقد أخرج ابن حبَّان في «صحيحه» من حديث أنسٍ رضي الله عنه رفعه (( لا طِيَرة، والطِّيرة على من تطيَّر ) )، وأخرج عبد الرَّزاق عن مَعمر عن إسماعيل بن أميَّة عن النَّبي صلى الله عليه وسلم (( ثلاثةٌ لا يسلم منهنَّ أحدٌ الطِّيرة والظَّنُّ والحسد، فإذا تطيَّرتَ فلا ترجع، وإذا حسدتَ فلا تبغِ، وإذا ظننتَ فلا تحقِّق ) ).

قال الحافظُ العسقلاني وهذا مرسلٌ أو معضلٌ، لكن له شاهدٌ من حديث أبي هُريرة رضي الله عنه أخرجه البيهقيُّ في «الشعب» ، وأخرج ابنُ عدي بسندٍ ليِّنٍ عن أبي هريرة رضي الله عنه رفعه (( إذا تطيَّرتم فامضُوا، وعلى الله فتوكلوا ) )، وأخرج الطَّبراني عن أبي الدَّرداء رضي الله عنه رفعه (( لن ينالَ الدَّرجات العلى من تكهَّنَ، أو استقسمَ، أو رجعَ من سفر تطيُّرًا ) )ورجاله ثقاتٌ.

قال الحافظُ العسقلاني إلَّا أنني أظن أنَّ فيه انقطاعًا، وله شاهدٌ عن عمران بن حُصين رضي الله عنه أخرجه البزَّار في أثناء حديثٍ بسندٍ جيِّدٍ.

وأخرج أبو داود والتِّرمذي وصحَّحه هو وابن حبَّان عن ابن مسعود رضي الله عنه رفعه (( الطِّيرة شركٌ وما منَّا إلَّا، ولكن الله يذهبُه بالتَّوكل ) ). وقوله (( وما منَّا إلَّا ) )من كلام

ج 24 ص 494

ابن مسعودٍ رضي الله عنه أُدرج في الخبر.

وقد بيَّنه سليمان بن حرب شيخ البُخاري فيما حكاه التِّرمذي عن البُخاري عنه، وإنَّما جعل ذلك شِرْكًا؛ لاعتقادهم أنَّ ذلك يجلب نفعًا، أو يدفع ضرًا، فكأنَّهم أشركوا مع الله تعالى.

وقوله (( ولكن الله يُذهبُه بالتَّوكل ) )إشارةٌ إلى أنَّ من وقع له ذلك فسلَّم لله، ولم يعبأ بالطِّيرة أنَّه لا يُؤاخذ بما عَرض له من ذلك.

وأخرج البيهقي في «الشُّعب» من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما موقوفًا من عَرَضَ له من هذه الطِّيرة شيءٌ فليقل اللَّهم لا طير إلَّا طيرك، ولا خير إلَّا خيرك، ولا إله غيرك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت