17 (باب) بالتنوين (مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ) أي هذا باب في بيان قوله صلى الله عليه وسلم (( فإذا أراد أن يقضي الله خلقه قال المَلِك مخلقة وإنْ لم يُرِدْ قال غير مخلقة ) ).
وروي عن علقمة إذا وقعت النطفة في الرحم قال له الملك مخلقة أو غير مخلقة، فإن قال غير مخلقة، مجت الرحم دمًا، وإن قال مخلَّقة قال ذكر أم أنثى، ويحتمل أن يكون البخاري أراد الآية الكريمة فأورد الحديث؛ لأن فيه ذِكْرَ المضغة، والمضغة مُخَلَّقة وغير مخلقة، ويؤيده رواية الأَصيلي .
وقال الحافظ العسقلاني رويناه بالإضافة؛ أي باب تفسير قوله تعالى {مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ} [الحج 5] .
وقال محمود العيني ليت شعري أنَّه رَوَى هذا عن البخاري نفسه أو عن الفِرَبْري، وكيف يقول باب تفسير قوله تعالى {مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ} وليس في متن حديث الباب مخلقة وغير مخلقة، وإنما فيه ذكر المضغة وهي مخلقة وغير مخلقة، وأما معنى المخلقة فقد روي عن قتادة مخلقة وغير مخلقة؛ أي تامة وغير تامة، وعن الشعبي النطفة والعلقة والمضغة إذا كسيت في الخلق الرابع كانت مخلقة، وإذا قذفتها الرحم قبل ذلك
ج 2 ص 548
كانت غير مخلقة، وعن أبي العالية المخلقة المصورة وغير المخلقة السقط، وقال الجوهري مضغة مخلقة؛ أي تامة الخلق.
وقال الزمخشري مخلقة؛ أي مسَوَّاة ملساء من العيب والنُّقصان، يقال خَلَقَ السِّوَاكَ إذا سَوَّاه ومَلَّسَه، وغير مخلقة؛ أي غير مسوَّاة.
هذا، وأما غرض البخاري من وضع هذا الباب هاهنا فهو الإشارة إلى أن الحامل لا تحيض؛ لأن اشتمال الرحم على الولد يمنع خروج دم الحيض، ويقال إنه يصير غذاء للجنين، وممن ذهب إلى أن الحامل لا تحيض الكوفيون، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه، وأحمد بن حنبل، وأبو ثور، وابن المنذر، والأوزاعي، والثوري، وأبو عبيد، وعطاء، والحسن البصري، وسعيد بن المسيب، ومحمد بن المنكدر، وجابر بن زيد، والشعبي، ومكحول، والزهري، والحكم، وحماد، والشافعي في أحد قوليه وهو قوله القديم، وقال في (( الجديد ) )أنها تحيض، وبه قال إسحاق.
وعن مالك روايتان، وحُكِيَ عن بعض المالكية إن كان في آخر الحمل فليس بحيض، وذكر الداودي أن الاحتياط أن تصوم وتصلي، ثمَّ تقضي الصوم ولا يأتيها زوجها.
وقال ابن بطال (غرض البخاري بإدخال هذا الباب في أبواب الحيض تقوية مذهب من يقول إنَّ الحامل لا تحيض) .
هذا، وقال الحافظ العسقلاني وفي الاستدلال بالحديث المذكور على أنها لا تحيض نظر؛ لأنه لا يلزمُ من كَوْن ما يخرجُ من الحامل هو السقط الذي لم يصور أن لا يكون الدم الذي تراه المرأة التي يستمر حملها ليس بحيض، وما ادعاه المخالف من أنه رَشْحٌ من الولد أو من فضْلة غِذائه، أو دمٌ فاسد لعلةٍ فمحتاجٌ إلى دليل؛ لأن هذا دم بصفات دم الحيض، وفي زمن إمكانه فله حكم دم الحيض فمن ادعى خلافَه فعليه البيان. انتهى.
وقال محمود العيني أنا ادعيت الخلاف وعلي البيان أما أولًا فنقول لنا في هذا الباب أحاديث وأخبار
منها حديث سالم، عن أبيه وهو أن ابن عمر رضي الله عنهما طلق امرأته وهي حائض فسأل عمر النبي صلى الله عليه وسلم فقال (( مره فليراجعها، ثمَّ ليمسكها حتى تطهر ثمَّ تحيض ثمَّ تطهر ثمَّ إن شاء أمسكها وإن شاء طلقها قبل أن يمس، فذلك العدة التي أمر الله تعالى أن يُطَلَّق لها النساء ) )متفق عليه.
ومنها حديث أبي سعيد
ج 2 ص 549
الخدري رضي الله عنه قال في سبايا أوطاس (( لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حابل حتى تستبرئ الحيضة ) )رواه أبو داود.
ومنها حديث رويفع بن ثابت قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لا يحل لأحد أن يسقي زرع غيره، ولا يقع على أمة حتى تحيض أو يتبين حملها ) )، رواه أحمد.
فجعل صلى الله عليه وسلم وجود الحيض عَلَمًا على براءة الرحم من الحَبَل في الحديثين، ولو جاز اجتماعهما لم يكن دليلًا على انتفائه، ولو كان بعد الاستبراء بالحيضة احتمال الحمل لم يحل وطؤها؛ للاحتياط في أمر الإبضاع، وحاصله أن استبراء الأمة اعتبر بالحيض؛ لتحقق براءة الرحم من الحمل، فلو كانت الحامل تحيض لم تتم البراءة بالحيض.
وأما الأخبار فمنها ما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال «إن الله تعالى دفع الحيض عن الحبلى، وجعل الدم رزقًا للولد مما تفيض الأرحام» ، رواه أبو حفص بن شاهين.
ومنها ما رواه الأثرم والدارقطني بإسنادهما عن عائشة رضي الله عنها في الحامل ترى الدم فقالت «الحبلى لا تحيض وتغتسل وتصلي» ، وقولها وتغتسل [1] استحباب لكونها مستحاضة، ولا يعرف من غيرهم خلافه. انتهى.
فعلى هذا لا يثبت ما قاله الحافظ العسقلاني، وما ورد في ذلك من خبر أو أثر لا يثبت فافهم، ثمَّ قال الحافظ العسقلاني، واستدل ابن المنيِّر على أنه ليس بدم حيض بأن الملك موكل برحم الحامل والملائكة لا تدخل بيتًا فيه قذر، وأجيب بأنه لا يلزم من كون الملك موكلًا به أن يكون حالًا فيه، ثمَّ هو مشترك الإلزام؛ لأن الدمَ كلَّه قذر. انتهى.
وقال محمود العيني وأيضًا الدم في معدنه لا يوصف بالنجاسة، وإلا يلزم أن لا يوجد أحد طاهرًا خاليًا عن النجاسة.
هذا ثمَّ وجه المناسبة بين البابين اشتمال كل منهما على حكم من أحكام الحيض أما الأول فظاهر، وأما الثاني ففيه أن الحامل إذا رأت دمًا هل يكون حيضًا أو لا؟
[1] (( وقولها وتغتسل ) )ليست في (خ) .