933 - (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ) بن عبد الله بن المنذر الحزامي _ بالزاي _ الأسدي (قَالَ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ) القرشيُّ الدمشقيُّ، وسقط في رواية لفظ «ابن مسلم» (قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو الْأَوْزَاعِيُّ) عبد الرَّحمن بن عمرو ونسبته إلى الأوزاع، وهي قبائل شتى.
وقال ابنُ كثير نسبة إلى الأوزاع بطنٌ من ذي الكلاع من اليمن، وقيل نسبة إلى الأوزاع، قرية بدمشق.
(قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاري المدني (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) رضي الله عنه.
(قَالَ أَصَابَتِ النَّاسَ سَنَةٌ) بفتح السين؛ أي شدَّة وجهدٍ، من الجدوبة، ومنه قوله تعالى {وَلَقَدْ أَخَذْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ} [الأعراف 130] ، وأصل السَّنة سَنْهة بوزن جَبْهة، فحذفت لامها ونقلت حركتها إلى النون فبقيت سَنة؛ لأنَّها من سنهت النَّخلة وتسنَّهت إذا أتى عليها السُّنون، وقيل إنَّ أصلها سنوة _ بالواو _ فحذفت كما حذفت الهاء كقولهم تسنَّيت عنده، إذا أقمت عنده سنة، فلهذا يقال على الوجهين استأجرته مُسَانهة ومُسَاناة.
وأمَّا السِّنَة التي هي أوَّل النوم _ فبكسر السين _ وأصله وسن؛ لأنَّه من الوَسَن _ بفتحتين _ يقال وسِن يوسَن، كعلم يعلمُ، سنة، فحذفت الواو وعوَّضت عنها الهاء كما في عدة.
(عَلَى عَهْدِ) أي زمن (النَّبِيِّ) وفي روايةٍ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَيْنَا)
ج 5 ص 108
وفي نسخة بالميم (النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ) وفي نسخة (قَامَ أَعْرَابِيٌّ) نسبة إلى الأعراب ولا واحد له، وليس هو جمعًا لعرب، والأعراب سكَّان البادية خاصَّةً، والعرب جيلٌ من النَّاس، والنِّسبة إليه عربيٌّ بيِّن العروبة وهم أهل الأمصار.
وقال ابنُ الأثير الأعراب سُكَّان البادية من العرب الذي لا يُقيمون في الأمصار، ولا يدخلونها إلَّا لحاجةٍ، والعرب اسم لهذا الجيل المعروف من النَّاس، ولا واحدَ من لفظه سواءٌ أقام بالبادية أو المدن، والنسبة إليهما أعرابيٌّ وعربيٌّ ولم يسمَّ هذا الأعرابي.
(فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَ الْمَالُ) المراد بالمال هنا وفيما بعده الحيوان، كذا فسَّره في حديث «الموطأ» ومعنى هلك المال؛ يعني الحيوانات هلكت، إذ لم تجد ما ترعاه (وَجَاعَ الْعِيَالُ) لعدم وجود ما يعيشون به من الأقوات بحبس المطر.
قال الجوهريُّ عيال الرجل مَن يعوله، وواحد العِيَال عَيَّل، والجمع عيائل، مثل جيِّد وجِيَاد وجَيَائد وأعال الرَّجل؛ أي كثرَ عياله، فهو مَعِيل وامرأة مُعِيلة.
قال الأخفش أي صارَ ذا عيالٍ، وذكر الجوهريُّ هذه المادَّة في عيل في الياء آخر الحروف، وذكره ابن الأثير في عول في الواو، ثمَّ قال يقال عال الرَّجل عِيَاله يَعُولهم، إذا قام بما يحتاجون إليه من قوتٍ وكسوةٍ وغيرهما.
وقال الكسائيُّ يقال عالَ الرجل يعولُ، إذا كثر عياله، واللغة الجيِّدة أعالَ يُعِيل.
(فَادْعُ اللَّهَ لَنَا) أن يسقينا (فَرَفَعَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يَدَيْهِ، وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً) بالقاف والزاي والعين المهملة المفتوحات، قطعةٌ من السَّحاب.
وفي «المحكم» القَزَع قطعٌ من السَّحاب رقاقٌ كأنَّها طلٌّ، إذا مرَّت من تحت السَّحاب [1] الكثيرة، قال أبو عبيد وأكثر ما يكون ذلك في الخريف.
وقال يعقوب عن الباهليِّ يقال ما على السَّماء قزعةٌ؛ أي شيءٌ من غيم، وفي «تهذيب الأزهري» كلُّ شيء متفرِّق فهو قزعٌ.
(فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا وَضَعَهَا) أي يده، وفي رواية أي يديه (حَتَّى ثَارَ السَّحَابُ) بالمثلثة؛ أي هاجَ وانتشرَ، يقال ثار الشَّيء يثورُ، إذا ارتفعَ وانتشر (أَمْثَالَ الْجِبَالِ) لكثرتها وإطباقها وجه السَّماء.
(ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ عَنْ مِنْبَرِهِ حَتَّى رَأَيْتُ الْمَطَرَ يَتَحَادَرُ) أي ينزلُ ويقطر، وهو من الحدور ضدُّ الصُّعود، والتفاعل هنا بمعنى الفعل مثل توانيت، بمعنى ونيت (عَلَى لِحْيَتِهِ) الشَّريفة (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قال الخطابيُّ يريد بقوله «يتحادر» أنَّ السَّقف قد وَكَفَ حتَّى خلص الماء إلى لحيته الشريفة.
(فَمُطِرْنَا) بضم الميم وكسر الطاء، معناه حصل لنا المطر، يقال مطرت السَّماء تمطرُ ومطرتهم تمطرهم مطرًا، وأمطرتهم
ج 5 ص 109
أصابتهم بالمطر، وأمطرهم الله في العذاب خاصَّةً، ذكره ابن سيده.
وقال الفراء قَطَرت السَّماء وأَقْطرت، مثل مَطَرت وأَمْطرت، وفي «الجامع» مطرت السَّماء تمطر مَطْرًا وَمَطَرًا، فالمَطْر بالسكون المصدر، والمطرُ بالحركة الاسم. وفيه لغةٌ أُخرى مَطِرت تمطَر على وزن عَلِم يَعْلم.
وفي «الصَّحاح» مطرتِ السَّماء وأمطرها الله، وناسٌ يقولون مَطَرت السَّماء وأَمْطرت بمعنى.
(يَوْمَنَا) بالنصب على الظَّرفية؛ أي في يومنا (ذَلِكَ، وَمِنَ الْغَدِ) كلمة (( من ) )إمَّا بمعنى «في» ، وإما تبعيضية، فافهم.
(وَبَعْدَ الْغَدِ) وفي رواية (وَالَّذِي يَلِيهِ، حَتَّى الْجُمُعَةِ الأُخْرَى) بالجرِّ على أنَّ «حتَّى» جارَّة، وبالنَّصب على أنَّ «حتى» عاطفة على المنصوب قبله، وبالرفع على أنَّ [2] مدخولها مبتدأ وخبره محذوف؛ أي ممطور فيها.
(وَقَامَ) وفي رواية بالفاء (ذَلِكَ الأَعْرَابِيُّ _ أَوْ قَالَ) قام (غَيْرُهُ _، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَهَدَّمَ الْبِنَاءُ، وَغَرِقَ الْمَالُ، فَادْعُ اللَّهَ لَنَا. فَرَفَعَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يَدَيْهِ فَقَالَ اللَّهُمَّ) وفي رواية بإسقاط قوله «فقال» .
(حَوَالَيْنَا) بفتح اللام، يقال قعدوا حولَه وحَوَالَه وحَوَالَيه، ولا يقال حوالِيه _ بكسر اللام _ أي مطيفين به من جوانبه، وهو ظرفٌ متعلِّقٌ بمحذوف تقديره اللهمَّ أنزل أو أمطر حوالينا (وَ) لا تنزل (عَلَيْنَا) أراد به الأبنية والدُّور.
فإن قيل إذا مطرت حوالي المدينة يكون الطريق ممتنعةً، فلا تزول شكواهم.
فالجواب أنَّ المراد الآكام والظراب وشبههما، كما في حديثٍ آخر [خ¦1014] ، فيبقى الطُّرق على هذا مسلوكةً كما سألوا.
(فَمَا يُشِيرُ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أتى بصيغة المضارع؛ لاستحضار الصُّورة الماضية (بِيَدِهِ) الشَّريفة، أراد به الجنس، وفي نسخة على التثنية (إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ السَّمَاءٍ إِلاَّ انْفَرَجَتْ) أي انكشفت.
وقال ابن القاسم معناه تدوَّرت، كما يدور جيبُ القميص، وقال ابنُ وهب معناه انقطعتْ عن المدينة كما يقطع الثَّوب، وقال ابن شعبان خرجت عن المدينة، كما يخرج الجيب عن الثَّوب.
(وَصَارَتِ الْمَدِينَةُ) النبويَّة (مِثْلَ الْجَوْبَةِ) بفتح الجيم وسكون الواو وفتح الموحدة.
قال الداوديُّ أي صارت مستديرةً كالحوضِ المستدير، وأحاطت بها المياه، ومنه قوله تعالى {وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ} [سبأ 13] .
وقال ابن التِّين هذا عندي وهمٌ؛ لأنَّ اشتقاق الجابية، من جِبا العين _ بكسر الجيم _ مقصورًا، وهو ما جُمِع فيها من الماء، فيكون اسم الفعلة منه جبوةً، وإنَّما هو من باب جاب يجوبُ إذا قطع، من قوله تعالى {جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ} [الفجر 9] ، فالعين منه واو،
ج 5 ص 110
فتكون الفعلة منه جوبةً، كما في الحديث.
وقال الجوهريُّ الجوبة الفرجة من السَّحاب والجبال، وقال ابن فارس الجوبة كالغائط من الأرض، وقال الخطَّابيُّ هي الترس، وفي حديث آخر (( فبقيت المدينة كالترس ) ).
وقال الجوبة أيضًا الوهدة المنقطعة عمَّا علا عن الأرض، وجاء في حديث آخر (( مثل الإكليل ) ) [خ¦1021] أي دارتها السحاب.
أقول والظَّاهر أنَّ الجوبة هنا بمعنى الترس، كما في حديث آخر؛ أي أنَّها بقيتْ في استدارتها مثل الترس، وهي غير ممطورةٍ.
(وَسَالَ الْوَادِي قَنَاةُ) بفتح القاف وتخفيف النون، علم لبقعة؛ أي لوادٍ من أودية المدينة وعليه زرعٌ لهم فهو منصرفٌ مرفوعٌ على أنَّه بدل عن الوادي.
وفي بعض الرِّوايات بالنصب والتنوين، فهو بمعنى البئر المحفورة؛ أي سال الوادِي مثل القناة، وفي بعضها بإضافة الوادي إليها، والمعنى جرى فيه المطر.
(شَهْرًا وَلَمْ يَجِئْ أَحَدٌ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلاَّ حَدَّثَ بِالْجَوْدِ) بفتح الجيم وسكون الواو وفي آخره دال مهملة، وهو المطر الغزيرُ الواسع.
وفي الحديث معجزةٌ ظاهرةٌ للنبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في إجابة دعائه متَّصلًا به، وفيه أدبه، فإنَّه لم يسأل رفع المطر من أصله، بل سأل رفع ضرره وكشفه عن البيوت والمرافق والطُّرق بحيث لا يَتضرَّر به ساكنٌ ولا ابن سبيلٍ، وسأل بقاءه في مواضع الحاجة حيث يبقى نفعه وخصبه في بطون الأودية ونحوها.
وفيه استحبابُ طلب انقطاع المطر عن المنازل إذا كثر وتضرروا به. وفيه رفع اليدين في الخطبة، واختلف العلماء في رفع اليدين عند الدُّعاء فكرهه مالك في رواية، وأجازه غيره في كلِّ الدُّعاء، وبعض العلماء جوَّزه في الاستسقاء فقط.
وقال جماعةٌ من العلماء السنَّة في دعاء دفع البلاء أن يرفع يديه ويجعل ظهرهما إلى السَّماء، وفي دعاء سؤال شيءٍ وتحصيله يجعل بطنهما إلى السَّماء.
وعن مالك بن يسار أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال (( إذا سألتم الله فاسألوه ببطون أكفِّكم ولا تسألوه بظهورها ) )، وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما رواه سلمان الفارسي رضي الله عنه عند الترمذيِّ محسِّنًا (( إنَّ الله حَييٌّ كريمٌ يستحيي أن يرفع الرجل إليه يديه أن يردَّهما صفرًا ) ).
قال الترمذيُّ رواه بعضهم فلم يرفعه، وعن أبي يوسف إن شاء رفع يديه في الدعاء، وإن شاء أشار بإصبعيه.
وفي «المحيط» بإصبعه السَّبَّابة، وفي «التجريد» من يده اليمنى.
وقال ابن بطَّال رفع اليدين في الخطبة في معنى الضَّراعة إلى الجليل والتَّذلُّل له، قال الزهريُّ رفع الأيدي يوم الجمعة مُحْدَث.
وقال ابن سيرين أوَّل من رفع يديه في الجمعة عبيد الله بن عبد الله بن معمر.
ج 5 ص 111
وفيه الاستسقاء بالدُّعاء بدون الصَّلاة وهو مذهبُ أبي حنيفة رحمه الله، وفيه قيام الواحد بأمر العامة، وفيه إتمام الخطبة في المطر.
ورجال إسناد الحديث ما بين مدنيٍّ ودمشقيٍّ، وشيخ المؤلِّف من أفراده، وقد أخرج متنه في «الاستسقاء» [خ¦1013] و «الاستئذان» أيضًا، وأخرجه مسلم، والنسائي في «الصَّلاة» .
[1] في هامش الأصل السحب أو السحابة الكبيرة.
[2] من قوله (( حتى جارة ... إلى قوله وبالرفع على أن ) )ليس في (خ) .