96 - (بابٌ مَا جَاءَ فِي) صفة (فِي قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَ) صفة قبر (أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق (وَ) صفة قبر (عُمَرَ) بن الخطَّاب (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا) من كون قبورهم في بيت عائشة رضي الله عنها، وكونه مسنَّمًا أو غير مسنَّم، وكونه بارزًا أو غير بارز،
ج 6 ص 566
ومن كون أبي بكر وعمر رضي الله عنهما معه صلى الله عليه وسلم.
وفيه فضيلة عظيمة لهما فيما لا يشاركهما فيه أحد، وذلك أنَّهما كانا وزيريه في حال حياته فصارا ضجيعيهِ بعد مماته. وهذه فضيلةٌ عظيمةٌ خصَّهما الله تعالى بها، وكرامة حباهما بها لم تحصل لأحد غيرهما، ألا ترى إلى وصيَّة عائشة رضي الله عنها إلى ابن الزُّبير رضي الله عنهما أن لا يدفنها معهم، وهذا من تواضعها وإقرارها بالحقِّ لأهله، وإيثاره [1] به على نفسها، وإنَّما استأذنها عمر رضي الله عنه في ذلك ورغب إليها فيه، كما سيأتي [خ¦1392] ؛ لأنَّ الموضع كان بيتها ولها فيه حقٌّ، ولها أن تؤثر به نفسها فآثرت به عمر رضي الله عنه.
وقد كانت عائشة رضي الله عنها رأت رؤيا دلَّتها على ما فعلت حين رأت ثلاثة أقمار سقطت في حجرها فقصَّتها على والدها، ولمَّا توفِّي رسول الله صلى الله عليه وسلم ودفن في بيتها، فقال لها أبو بكر رضي الله عنهما هذا أول أقمارك وهو خيرها.
( {فَأَقْبَرَهُ} ) أي في قوله تعالى {ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ} [عبس 21] ؛ أي بعد أن خلقه سويًّا أماته؛ أي قبض روحه فأقبره؛ أي جعله ذا قبر يدفن فيه، وقيل جعل له من يقبره ويواريه، ولا يلقى حتَّى تأكله السِّباع والطُّيور ليكون مكرَّمًا حيًّا وميِّتًا، ولم يقل قَبَرَهُ؛ لأنَّ فاعل ذلك هو الله تعالى؛ أي صيَّره مقبورًا فليس كفعل الآدمي، والعرب تقول طردت فلانًا عنِّي والله أَطْرَدَهُ؛ أي جعله طريدًا.
وهذا جرى على عادته من تفسير بعض ألفاظ القرآن بمناسبة ألفاظ الحديث، وفي رواية أبي ذرٍّ فـ «قولُ الله» مبتدأ وخبره.
قوله (أَقْبَرْتُ الرَّجُلَ) أي هو من قولهم أقبرت الرَّجل من باب الأفعال، وزاد أبو ذرٍّ (إِذَا جَعَلْتَ لَهُ قَبْرًا، وَقَبَرْتُهُ) من الثُّلاثي المجرَّد (دَفَنْتُهُ) أشار بهذا إلى الفرق بين أقبرتُ وقَبَرْتُ في المعنى، كما مرَّ، وقوله تعالى {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ (كِفَاتًا} [المرسلات 25] ) من كفتُ الشَّيء أكفته، إذا جمعته وضممته، قاله الزَّجاج؛ أي ألم نجعل الأرضَ كافتة؛ أي جامعة وضامَّة أحياء وأمواتًا، ونصب «أحياء» و «أمواتًا» بوقوع الكِفَات عليه، وقوله (يَكُونُونَ فِيهَا أَحْيَاءً، وَيُدْفَنُونَ فِيهَا أَمْوَاتًا) تفسير لقوله «كفاتًا» ، وفي «تفسير الطَّبري» كفاتًا وعاءً.
وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما كذا، وعن مجاهد {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا} [المرسلات 25] قال تَكفِتُ أذاهُم وما يخرج منهم.
[1] الهاء تعود على سيدنا عمر وإن لم يذكر من قبل فلأن المؤلف اختصر كلامه هذا من العمدة وغيره.