فهرس الكتاب

الصفحة 3808 من 11127

ج 11 ص 314

في رواية الأكثرين، وفي رواية ابن شبويه بدون حرف «لا» ، قال الحافظ العسقلانيُّ وأظنُّ الواو سقطتْ من قبل «حتَّى» ، والمعنى لا يدعها تضيع، ولا يدعها حتَّى يأخذها من لا يستحقُّها.

وتعقَّبه العينيُّ بأنَّه لا يحتاج إلى هذا؛ لأنَّ المعنى صحيحٌ بدون هذا التَّقدير أيضًا؛ أي لا يتركها ضائعةً، بحيث تنتهي إلى أخذِ من لا يستحقُّ إيَّاها. وكلمة «هل» ، هنا ليست للاستفهام، بل بمعنى «قد» للتَّحقيق، كما في قوله تعالى {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ} [الإنسان 1] ولهذا لا تحتاج إلى جواب، وأشار بهذه التَّرجمة إلى الرَّد على من كره أخذ اللُّقطة، رُوِي ذلك عن ابنِ عمر وابن عبَّاس رضي الله عنهم وهو قول عطاء بن أبي رباح.

وروى ابن القاسم عن مالكٍ أنَّه كره أخذها والآبق فإن أخذَ ذلك وضاعتْ وأبق من غير تضييعه لم يضمنْ، وكره أحمد أخذها أيضًا، ومن حجَّتهم في ذلك ما رواه الطَّحاوي من حديث أبي مسلمٍ الجَذْميِّ عن الجارود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( ضالَّة المسلم حَرَق النَّار ) ). وأخرجه النَّسائي بإسنادٍ صحيحٍ، وأخرجه الطَّبراني أيضًا، وأبو مسلم الجَذْمي _ بفتح الجيم والذال المعجمة _ نسبة إلى جذيمة عبد القيس، لا يعرف اسمه.

والجارود هو ابن المعلَّى العبديُّ، واسمه بشر، والجارودُ لُقِّب به؛ لأنَّه كان أغار في الجاهليَّة على بكر بن وائل فأصابهم وجرَّدهم، وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة عشر في وفد عبد القيس، فأسلم وكان نصرانيًّا، ففرح النَّبي صلى الله عليه وسلم بإسلامه وأكرمه وقرَّبه والضَّالة هي الضَّائعة من كلِّ ما يقتنى من الحيوان وغيره، يُقال ضلَّ الصَّبي إذا ضاع، وضلَّ عن الطَّريق إذا حار، وقد مرَّ الكلام فيه، وقوله حَرَق النار _ بفتحتين وقد تسكن الراء _ وحرق النَّار لهيبها.

والمعنى أنَّ ضالَّة المسلم إذا أخذها إنسانٌ ليتملَّكها أدَّته إلى النَّار، وهذا تشبيهٌ بليغ، هذا وقال الحسن البصريُّ والنَّخعي والثَّوري وأبو حنيفة ومالك والشَّافعي وأحمد في رواية، وأبو يوسف ومحمَّد لا يحرم أخذ الضَّوال. وعن الشَّافعي في قولٍ وأحمد في رواية ندب تركها، وعن الشَّافعي في قولٍ يجب رفعها، وقال ابن حزم قال أبو حنيفة ومالكٍ كلا الأمرين مباحٌ، والأفضل أخذها.

وقال الشَّافعي مرَّة أخذها أفضل، ومرَّة قال الورع تركها، وأجاب الطَّحاوي

ج 11 ص 315

عن الحديث المذكور أنَّه صلى الله عليه وسلم أراد أخذها لغير التَّعريف.

وقد بيَّن ذلك ما رُوِي عن الجارود أيضًا، أنَّه قال قد كنَّا أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن على إبل عِجَاف، فقلنا يا رسول الله! إنَّا قد نمرُّ بالجرف فنجدُ إبلًا فنركبها، فقال (( إنَّ ضالة المسلم حَرَق النَّار ) )، فكان سؤالهم عن أخذها لأن يركبوها، لا لأن يعرِّفوها فأجابهم بأن قال (( ضالَّة المسلم حَرَق النَّار ) )أي إنَّ ضالَّة المسلم حكمها أن تحفظَ على صاحبها حتَّى تؤدَّى إلى صاحبها، لا لأن ينتفع بها لركوبٍ، ولا بغير ذلك.

وفي رواية مسلم من حديث زيد بن خالد رضي الله عنه (( من آوى الضَّالة فهو ضالٌّ ما لم يعرِّفها ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت