فهرس الكتاب

الصفحة 6552 من 11127

7 - (باب {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} ) دلَّ على خيريَّتهم فيما مضى سواءٌ كانت كلمة «كان» ناقصة أو تامة؛ أي أنتم خير الأمم، ولا يدلُّ على انقطاعٍ طارئ كقوله تعالى {وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} لأنَّ «كان» عبارةٌ عن وجود الشَّيء في زمانٍ ماضٍ على سبيل الإيهام، وليس فيه دَلالةٌ على عدم سابقٍ ولا انقطاع لاحقٍ بل الدَّوام والانقطاع إنَّما يُراد بحسبِ القرائن لا من نفس اللَّفظ. وقيل كنتُم في علم الله، أو في اللَّوح المحفوظ خير أمة. وقيل كنتُم فيما بين الأمم المتقدِّمين مذكورين بأنَّكم خير أمَّةٍ موصوفين به، والخطابُ لجميع الأمة. وقيل الخطاب للصَّحابة لكنَّه يعمُّ سائر الأمَّة.

وروى أحمدُ في «مسنده» والنَّسائي في «سننه» والحاكم في «مستدركه» عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما بإسنادٍ جيِّدٍ هم الَّذين هاجروا مع النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى المدينة. وروى الطَّبري وابن أبي حاتم عن السُّدِّي قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لو شاء الله عزَّ وجلَّ لقال أنتم، ولكنا كلنا، ولكن قال {كُنْتُمْ} فهذا خاصٌّ بالصَّحابة، ومن صنع مثل ما صنعوا كانوا خير أمَّةٍ. وفي رواية (( لكن قال {كنتم} ) )فهي خاصَّةٌ لأصحاب محمَّدٍ، ومن صنع مثل صنيعهم، وهذا منقطعٌ، وهذا أعمُّ من الَّذي قبله.

وقال الواحدي إنَّ رؤوس اليهود وعد منهم جماعة منهم

ج 19 ص 209

ابن صوريا عمدوا إلى مؤمنيهم عبد الله بن سلام وأصحابه فآذوهم لإسلامهم فنزلت، وللطَّبري من طريق ابن جريج عن عكرمة قال نزلت في ابن مسعودٍ وسالم مولى أبي حذيفة وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل، وهذا موقوفٌ فيه انقطاع.

وقال مقاتل نزلت في أبي ومعاذ وابن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة، وذلك أنَّ مالك بن الضَّيف ووهب بن يهودا، قالا للمسلمين ديننا خيرٌ ممَّا تدعونا إليه، ونحن خيرٌ وأفضلُ منكم فنزلت.

والصَّحيح كما قاله ابن كثير العموم في جميع الأمة كلُّ قرنٍ بحسبه، وخير قرونهم الَّذين بعث فيهم النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثمَّ الَّذين يلونهم، ثمَّ الذين يلونهم.

ورجَّح الطَّبري أيضًا حمل الآية على عموم الأمَّة، وأيَّد ذلك بحديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جدِّه سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول في هذه الآية {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} قال أنتم متمُّون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله، وهو حديثٌ حسنٌ صحيحٌ أخرجه التِّرمذي وحسَّنه وابن ماجه والحاكم وصحَّحه، وله شاهدٌ مرسلٌ عن قتادة عند الطَّبري رجاله ثقاتٌ، وفي حديث عليٍّ رضي الله عنه عند أحمد بإسنادٍ حسنٍ أنَّ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال (( وجُعلتْ أمَّتي خير الأمم ) ).

وقد جاء فيما أخرجه الطَّبري وابن أبي حاتم من طريق عكرمة قال كان من قبلكم لا يأمن هذا في بلاد هذا، ولا هذا في بلاد هذا، فلمَّا كنتُم أنتم أمن فيكم الأحمر والأسود.

ومن وجهٍ آخر عنه قال لم تكن أمَّةٌ دخل فيها من أصناف النَّاس مثل هذه الأمَّة.

وعن أبيِّ بن كعب رضي الله عنه قال لم تكن أمة أكثر استجابة في الإسلام من هذه الأمَّة، أخرجه الطَّبري بإسنادٍ حسنٍ عنه، وهذا كلُّه يقتضي حمل الآية على عموم الأمَّة، وبه جزم الفرَّاء واستشهد بقوله تعالى {وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا} [الأعراف 86] .

قال وحذف كان في مثل هذا وإظهارها سواءٌ {أُخْرِجَتْ} أي أظهرت {لِلنَّاسِ} أي لنفعهم، والمعنى أنَّهم خير الأمم وأنفع النَّاس للنَّاس، ولهذا قال {تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ}

ج 19 ص 210

وهو استئنافٌ بيَّن به كونهم خير أمَّة، أو خبر ثان لكنتم؛ أي تأمرون بشهادة أنَّ لا إله إلا الله التي هي أعظم معروفٍ وغيرها ممَّا عرف في الشَّرع، وتنهون عن الشِّرك وتكذيب الحقِّ كالبعث، وغير ذلك ممَّا أنكره الشَّرع {وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} يتضمَّن الإيمان بكلُّ ما يجب أن يُؤمنَ به؛ لأنَّ الإيمان به إنَّما يحقُّ ويعتدُّ به إذا حصل الإيمان بكلِّ ما أمر أن يُؤمنَ به، وإنَّما أخَّره في الذِّكر مع أنَّه أصل الخيرات وأساس الطَّاعات، فحقُّه أن يقدِّم إشعارًا بأنَّه لا مدخل له في خيريَّة هذه الأمَّة على سائر الأمم لكونه قدرًا مشتركًا بين الكلِّ، وإنَّما قصد بذكره الدَّلالة على أنَّهم أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر إيمانًا بالله وتصديقًا به وإظهارًا لدينه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت