فهرس الكتاب

الصفحة 6551 من 11127

4556 - (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ) هو أبو إسحاق الحزامي المديني، قال (حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ) بفتح الضاد المعجمة وسكون الميم، واسمه أنس بن عياض اللَّيثي، قال (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) الإمام في المغازي (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما) وسقط في رواية أبي ذرٍّ لفظ (أَنَّ الْيَهُودَ) قيل يهود خيبر (جَاؤُوا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وكان ذلك في ذي القعدة من السَّنة الرابعة (بِرَجُلٍ مِنْهُمْ) لم يسمَّ الرجل (وَامْرَأَةٍ) اسمها بُسْرة، قاله السُّهيلي (قَدْ زَنَيَا) قال ابن بطَّال قيل إنَّهما لم يكونا أهل ذمَّةٍ، وإنَّما كانا أهل حربٍ، ذكره الطَّبري. وفي رواية عيسى عن ابن القاسم كانا من أهل فدك وخيبر حربًا لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم ذاك. وعن أبي هريرة رضي الله عنه كان هذا حين قدمَ سيدنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة، وقال مالك إنَّما كانا أهل حربٍ، ولو كانا أهل ذمَّةٍ لم يسألهم كيف الحكم فيهم؟ وقال النَّووي عند مالكٍ لا يصحُّ إحصان الكافر، وإنَّما رجمهما لأنَّهما لم يكونا أهل ذمَّةٍ. قيل هذا غير جيِّدٍ؛ لأنَّهما كانا من أهل العهد، ولأنَّه رجم المرأة والنِّساء الحربيَّات لا يجوز قتلهنَّ مطلقًا.

(فَقَالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَهُمْ) أي لليهود (كَيْفَ تَفْعَلُونَ) وفي رواية الكُشميهني (بِمَنْ زَنَى مِنْكُمْ) لم يرد به رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تقليدهم ولا معرفة الحكم منهم، وإنَّما أراد إلزامهم بما يعتقدونه في كتابهم، ولعلَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد أوحى الله إليه أنَّ الرَّجم في التَّوراة الموجودة عندهم لم يغيِّروه كما غيَّروا غيره، أو أنَّه أخبره من أسلم منهم

ج 19 ص 206

(قَالُوا نُحَمِّمُهُمَا) بضم النون وفتح الحاء المهملة وكسر الميم الأولى مشددة، من التَّحميم بمعنى تسويد الوجه يعني نسوِّد وجوههما بالحُمَم _ بضم المهملة وفتح الميم _ وهو الفحم.

وقال الحافظُ العسقلاني أي نسكب عليهما الماء الحميم، وفي رواية بالحاء المهملة واللام يعني نحملهما على شيءٍ ليظهرا، وفي رواية بالجيم واللام؛ أي نجملهما جميعًا ليظهرا.

(وَنَضْرِبُهُمَا، فَقَالَصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ الرَّجْمَ) أي على من زنى إذا أُحصن (فَقَالُوا لاَ نَجِدُ فِيهَا شَيْئًا، فَقَالَ لَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلاَمٍ) رضي الله عنه (كَذَبْتُمْ، فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) أي فإنَّ ذلك موجودٌ فيها لم يغير. واستدلَّ به ابن عبد البرِّ على أنَّ التَّوراة صحيحةٌ بأيديهم، ولولا ذلك ما سألهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عنها ولا دعا بها.

وتُعقِّب بأنَّ سؤاله عنها لا يدلُّ على صحَّة جميع ما فيها، وإنَّما يدلُّ على صحَّة المسؤول عنه فيها، وقد علم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك بوحيٍ أو بإخبار من أسلم منهم كما تقدَّم، فأرادَ بذلك تبكيتهم وإقامة الحجَّة عليهم في مخالفتهم كتابهم، وكذبهم عليه، وإخبارهم بما ليس فيه، وإنكارهم ما هو فيه.

(فَوَضَعَ) فيه حذف تقديره، فأتوا بالتوراة فنشروها فوضع (مِدْرَاسُهَا) بكسر الميم، يريد صاحب دراسة كتبهم كذا في رواية الكُشميهني، وهو مفعالٌ من أبنية المبالغة، والمراد عبد الله بن صُوْرِيا _ بضم الصاد المهملة وسكون الواو وكسر الراء وفتحها _. وفي رواية أبي داود (( ائتوني بأعلم رجلين منكم فأتوه بابن صُوريا ) ). قال المنذري لعلَّه عبد الله بن صوريا وكنانة بن صوريا، وكان عبد الله أعلم من بقي من الأحبار بالتَّوراة ثمَّ كفر بعد ذلك. وزعم السُّهيلي أنَّه أسلم، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحمويي والمستملي بضم الميم على لفظ اسم الفاعل من المفاعلة. وقال الحافظُ العسقلاني والأوَّل أوجه.

(الَّذِي يُدَرِّسُهَا مِنْهُمْ) أي يتلوها، وهو بضم الياء على لفظ المضارع المعلوم من التَّدريس، وهو تفسيرٌ للمدراس، وفي نسخة بفتح أوله وسكون الدال وضم الراء مخففة (كَفَّهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ، فَطَفِقَ) بكسر الفاء؛ أي فجعل (يَقْرَأُ) من التَّوراة (مَا دُونَ يَدِهِ) أي قبلها (وَمَا وَرَاءَهَا، وَلاَ يَقْرَأُ آيَةَ الرَّجْمِ، فَنَزَعَ) أي عبد الله بن سلام

ج 19 ص 207

(يَدَهُ) أي يد المدراس (عَنْ آيَةِ الرَّجْمِ، فَقَالَ مَا هَذِهِ؟ فَلَمَّا رَأَوْا) أي اليهود (ذَلِكَ قَالُوا) في رواية الكُشميهني ؛ أي المدراس بالإفراد فيهما (هِيَ آيَةُ الرَّجْمذِ، فَأَمَرَ بِهِمَا) أي النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَرُجِمَا) على البناء للمفعول، وفي (( سنن أبي داود ) )أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رجمهما بالبيِّنة حيث شهد عنده صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أربعة أنَّهم رَأَوا ذَكَره في فرجها مثل الميل في المكحلة، رواه من حديث جابر رضي الله عنه.

قال النَّووي فإن صحَّ هذا فإن كان الشُّهود مسلمين فظاهرٌ، وإن كانوا كفَّارًا فلا اعتبار بشهادتهم، ويتعيَّن أنَّهما أقرَّا بالزِّنا، ولذا حكم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ برجمهما.

وقال الخطَّابي فيه أنَّ الإحصان يقعُ بنكاح أهل الكفر، إنَّما رجمهما صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بما أوحى الله إليه من أمره، وإنَّما احتجَّ عليهم بالتَّوراة استظهارًا للحجَّة وإحياء لحكم الله تعالى الَّذي كانوا يكتمونه (قَرِيبًا مِنْ حَيْثُ مَوْضِعُ الْجَنَائِزِ) برفع موضع في الفرع وأصله وغيرهما؛ لأنَّ «حيث» لا يُضاف إلى ما بعدها إلَّا أن يكون جملة (عِنْدَ الْمَسْجِدِ) وفي رواية وهما متقاربان (قَالَ) أي ابن عمر رضي الله عنهما (فَرَأَيْتُ صَاحِبَهَا) أي صاحب المرأة الَّذي زنى بها (يَجْنَأُ) بفتح أوله وسكون الجيم وبعد النون المفتوحة همزة مضمومة، قال ابن الأثير أي أكبَّ (عَلَيْهَا) وقيل يَجْنَا _ بالتخفيف _ والأصل الهمز من جَنَأ يَجْنأ إذا مال عليه وعطف، ثمَّ خُفّف وهو لغة، وقال المنذري ياؤه _ مفتوحة وجيمه ساكنة _، يُقال جَنَأ الرَّجل على الشَّيء إذا أكبَّ عليه، وفي رواية الكُشميهني بفتح حرف المضارعة وسكون الحاء المهملة وكسر النون بعدها تحتية؛ أي يميل عليه وينعطف، يُقال حنى يحني وحنا يحنو حنوًا، قال الخطَّابي وهو المحفوظُ، وروي بالحاء وتشديد النون، وروي من حانى يحاني، وروي بجيم وباء موحدة ثمَّ همزة؛ أي يركع.

وقال البيهقي عند أهل الحديث يحني _ يعني بالحاء _، وعند أهل اللُّغة بالجيم.

(يَقِيهَا) أي حال كونه يقيها (الْحِجَارَةَ) أي يحفظها من الحجارة، وفي هذا الحديث من الفوائد وجوب حدِّ الزِّنا على الكافر، وبه قال الشَّافعي وأحمد وأبو حنيفة والجمهور، وهو قول الزُّهري وعمر بن عبد العزيز والثَّوري، وروي

ج 19 ص 208

عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما خلافًا لمالك حيث قال لا حدَّ عليه، وأنَّه ليس من شرط الإحصان المقتضي للرَّجم الإسلام، وهو مذهب الشَّافعي وأحمد خلافًا لمالك وأبي حنيفة حيث قالا لا يرجم الذَّمي؛ لأنَّ من شرط الإحصان الإسلام، وأنَّ أنكحة الكفَّار صحيحةٌ وإلَّا لما ثبت إحصانهم، وأنَّهم مخاطبون بالفروع خلافًا للحنفيَّة.

وقال القُرطبي إن كان ما رفعوه إلى الإمام ظلمًا كالقتل والغصب بينهم، فلا خلاف في منعهم منه، ونقل عن مالكٍ والشَّافعي أنَّه بالخيار بين الحكم بينهم وتركه، غير أنَّ مالكًا يرى الإعراض أولى، ونُقل عن الشَّافعي أنَّه لا يحكم بينهم في الحدود، وفي الحديث أيضًا أنَّه لا يحفر لمن رجم ولو حفرَ له لما استطاعَ أن يحني عليها، لكن في «صحيح مسلم» من حديث بُريدة أنَّه حفرَ لماعزٍ وللغامديَّة إلى صدرهما. وقيل يحفرُ لمن قامت عليه البيِّنة دون المقر، والله تعالى أعلم.

وقد مضى الحديث في «الجنائز» ، في باب «الصَّلاة على الجنازة في المصلى والمسجد» مختصرًا [خ¦1329] ويأتي في «الحدود» إن شاء الله تعالى [خ¦6819] ، ومطابقته للترجمة في قوله (( كذبتم فأتوا بالتَّوراة فاتلوها إن كنتم صادقين ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت