فهرس الكتاب

الصفحة 10620 من 11127

7169 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) أي ابن قعنب، أبو عبد الرَّحمن (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ) وفي رواية أبي ذرٍّ (أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) هند المخزوميَّة أمِّ المؤمنين رضي الله عنها (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّمَا أَنَا) بالنِّسبة إلى الاطِّلاع على بواطن الخصوم (بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) لا بالنِّسبة إلى كلِّ شيءٍ، فإنَّ له صلى الله عليه وسلم أوصافًا أخر، والحصر مجازيٌّ؛ لأنَّه حصرٌ خاصٌّ؛ أي باعتبار علم البواطن، وفيه الإقرارُ على نفسهِ بصفة البشريَّة من أنَّه لا يعلم الغيب إلَّا ما أعلمه الله تعالى منه، وإنَّما قال ذلك توطئة لقوله (وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ) بتشديد الياء، وأنا لا أعرف المحقَّ منكم من المبطل حتَّى يُمَيَّز المُحقَّ منكم من المبطل، فلا يأخذ المبطل ما ليس بحقِّه، يعني لا أعرف بواطنَ أموركم، كما هو أصل الخلقة البشريَّة.

(وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ) بالحاء المهملة يعني أفطن لها وأجدل، وأبلغ في الإتيانِ بها. وقال ابن حبيب أنطق وأقوى مأخوذٌ من قوله تعالى {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ} [محمد 30] ؛ أي في نطقِ القول.

وقيل معناه أن يكونَ أحدهما أعلم بمواقع الحُجج، وأهدى لا يرادُها، ولا يخلطها بغيرها. وقال أبو عُبيد اللَّحَن _ بفتح الحاء _ النُّطق، وبالإسكان الخطأ في القول. وذكر ابن سِيْده لحَن الرَّجل لحنًا فهم، ورجلٌ لَحِنٌ عالمٌ بعواقب الكلام ظريفٌ، ولَحَن لَحْنًا فطن بحجَّته وانتبه لها، ولاحن النَّاس فاطنهم.

(مِنْ بَعْضٍ) وهو كاذبٌ (فَأَقْضِي) له بسبب كونه ألحن بحجَّته (عَلَى نَحْوَ مَا أَسْمَعُ) منه، وفي رواية أبي ذرٍّ بحذف (( على ) )، وفيه أنَّ الحاكمَ مأمورٌ بأن يقضيَ بما يقرُّ به الخصم عنده (فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ) أي المسلم، وكذا الذِّمي، و (( من ) )في قوله (( فمَن قضيتُ ) )شرطيَّةٌ،

ج 29 ص 573

وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحمويي والمستملي (شَيْئًا فَلاَ يَأْخُذْهُ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ) أي فإنَّما أقضي له بشيءٍ حرامٍ يؤول إلى النَّار، كما قال تعالى {إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا} [النساء 10] .

وفي الحديث أنَّه صلى الله عليه وسلم لا يعلمُ بواطن الأمور إلَّا أن يُطلعَه الله تعالى على ذلك، وأنَّه يحكم بالظَّاهر، ولم يطلعْه الله تعالى على حقيقة الأمر في ذلك حتَّى لا يحتاج إلى بيِّنةٍ ويمين تعليمًا؛ لتقتدي به أمَّته، فإنَّه لو حكم في القضاء بنفسهِ الحاصل من الغيبِ لما أمكنَ الحكم لأمَّته من بعده، ولمَّا كان الحكم بعده ممَّا لا بدَّ منه أجرى أحكامه على الظَّاهر، وأمر أمَّته بالاقتداء به، فإذا حكم بما يخالف الباطن لا يجوز للمقضيِّ له أخذ ما قَضى له به.

وفيه دلالةٌ على صحَّة قول مالك والشَّافعي وأحمد وجماهير علماء الأمصار، أنَّ حكم الحاكم إنَّما ينفذ ظاهرًا لا باطنًا، وأنَّه لا يحلُّ حرامًا، ولا يحرِّم حلالًا، بخلاف أبي حنيفة رحمه الله حيث قال إنَّ حكمه ينفذ ظاهرًا وباطنًا في العقود والفسوخ.

والحاصل أنَّه ينبغي للحاكم أن يعظَ الخصمينِ ويحذِّرهما من الظُّلم، وطلب الباطلِ اقتداءً به صلى الله عليه وسلم.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وقد مضى الحديث في (( المظالم ) ) [خ¦2458] ، وأوائل (( كتاب الحيلِ ) ) [خ¦6967] .

تنبيهٌ وفي الحديث أنَّ التَّعمُّق في البلاغة بحيث يحصل اقتدار صاحبها على تزيين الباطل في صورة الحقِّ وعكسه مذمومٌ، ولو كان ذلك في التَّوصل إلى الحقِّ لم يذم، وإنَّما يذمُّ من ذلك ما يتوصَّل به إلى الباطل في صورة الحقِّ بالبلاغة إذًا لا تذمُّ لذاتها، وإنَّما تذمُّ بحسب التَّعلق الَّذي قد يمدح بسببه، وهي في حدِّ ذاتها ممدوحةٌ، وهذا كما يذمُّ صاحبها إذا طرأ عليه بسببها الإعجابُ، ويُحقِّر غيره ممَّن لم يصل إلى درجتهِ، ولاسيما إن كان الغير من أهل الصَّلاح، فإنَّ البلاغة إنَّما تذمُّ من هذه الحيثيَّة بحسب ما ينشأ عنها من الأمور الخارجة عنها.

ولا فرق في ذلك بين البلاغةِ وغيرها، بل كلُّ فطنةٍ تُوصِل إلى المطلوب محمودةٌ في حدِّ ذاتها، وقد تذمُّ أو تمدح بحسب متعلَّقها.

واختلف في تعريف البلاغة فقيل أن يبلُغ بعبارة لسانه كُنْهَ ما في قلبهِ، وقيل إيصال المعنى إلى الغير بأحسن لفظٍ، أو هي الإيجاز مع الإفهام والتَّصرُّف من غير إضمارٍ، أو هي قليل لا يبهم، وكثير لا يُسأم، أو هي إجمال اللَّفظ، واتِّساع المعنى. وقيل هي النُّطق في موضعه، والسُّكوت في موضعه، وهذا كلُّه عن المتقدِّمين، وعرَّف أهل المعاني

ج 29 ص 574

والبيان البلاغة بأنَّها مطابقة الكلام لمقتضى لحالٍ مع الفصاحة، وهي خلوَّه من التَّعقيد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت