- (باب {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا} ) الآية، وفي نسخة بزيادة لفظ إذا أردنا إهلاك قرية أمَرنا _ بفتح الميم _ من أَمَر ضد نهى، وهي قراءة الجمهور، واختلف في متعلق الأمر، فعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما وغيره أنَّه {أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا} بالطَّاعة على لسان رسول بعثناه إليهم {فَفَسَقُوا فِيهَا} أي فخرجوا عن الطَّاعة {فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ} أي فوجب عليهم العذاب {فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} [الإسراء 16] أي فخرَّبناها تخريبًا، وأهلكنا من فيها إهلاكًا، وفسَّر بعضهم {أَمَرْنَا} بكثرنا، وقوله {مُتْرَفِيهَا} جمع مترف، وهو المتنعِّم المتوسع في ملاذ الدُّنيا.
4711 - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) المعروف بابن المديني، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابنُ عيينة، قال (أَخْبَرَنَا مَنْصُورٌ) هو ابنُ المعتمر (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) أي ابن مسعود رضي الله عنه أنَّه (قَالَ كُنَّا نَقُولُ لِلْحَيِّ) أي القبيلة (إِذَا كَثُرُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَمِرَ) بكسر الميم، بمعنى كثروا، وجاء بفتح الميم أيضًا، وهما لغتان بمعنى كثر (بَنُو فُلاَنٍ. حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ) عبد الله بن الزُّبير المكِّي، نُسب إلى أحد أجداده حميد، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) أي ابن عيينة (وَقَالَ) أي الحميدي عن سفيان (أَمِرَ) بكسر الميم، كالأول كذا في فرع اليونينية كأصله، وقال العيني أشار بذلك إلى أنَّ سفيان بن عيينة روى عنه الحميدي أمَر، بفتح الميم، وروى عنه عليِّ بن عبد الله
ج 20 ص 141
أمِر بكسر الميم.
وقال الحافظُ العسقلاني إنَّ الأولى بكسر الميم، والثَّانية بفتحها، وكلاهما لغتان. والحاصل أنَّ سياق المؤلِّف لحديث ابن مسعود رضي الله عنه لينبِّه على أنَّ معنى ما في الآية كثرنا مترفيها، وهي لغة حكاها أبو حاتم، ونقلها الواحديُّ عن أهل اللُّغة. وقال أبو عُبيدة من أنكرها لم يلتفت إليه لثبوتها في اللُّغة. وأنكر ابن التِّين فتح الميم في أَمَر بمعنى كَثُر، وغفل في ذلك، ومن حفظَه حجَّة عليه، وضبط الكرمانيُّ أحدهما بضم الهمزة وهو غلطٌ منه، وقرأه الجمهور بفتح الميم، وحكى أبو جعفر عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّه قرأها بكسر الميم، وأثبتها أبو زيد لغة وأنكرها الفرَّاء، وقرأ أبو رجاء في آخرين بالمد وفتح الميم، ورُويت عن أبي عَمرو وابن كثير وغيرهما، واختارها يعقوب ووجَّهها الفرَّاء بما ورد من تفسير ابن مسعود رضي الله عنه، وزعم أنَّه لا يُقال أمرنا بمعنى كَثَّرنا إلَّا بالمد، واعتذر عن حديث «أفضل المال مُهْرة مأمورة» بأنَّها ذكرت للمزاوجة لقوله فيه «أو سكَّة مأبورة» .
وقرأ أبو عثمان النَّهدي كالأوَّل لكن بتشديد الميم بمعنى الإمارة، واستشهد الطَّبري بما أسنده من طريق عليِّ بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما في قوله {أَمَرْنَا مُتْرَفِيَها} قال سلَّطنا شرارها، ثمَّ ساق عن أبي عثمان وأبي العالية ومجاهد أنَّهم قرؤوا بالتشديد، وقيل التَّضعيف للتَّعدية، والأصل أمرنا بالتخفيف؛ أي كَثّرنا كما وقع في الحديث الصَّحيح، ومنه حديث (( خير المال مُهْرة مأمورة ) )أي كثيرة النِّتاج أخرجه أحمد، ويُقال أَمِرَ بنو فلان؛ أي كثروا، وأَمَّرهم الله كثَّرهم وأَمِروا؛ أي كَثُروا، وقد تقدَّم قول أبي سفيان في أوَّل هذا الكتاب [خ¦7] في قصَّة هرقل حيث قال لقد أَمِر أَمْرُ ابن أبي كبشة؛ أي عظم.
واختار الطَّبري قراءة الجمهور، واختار في تأويلها حملُها على الظَّاهر، وقال المعنى أمرنا مترفيها بالطَّاعة فعصوا، ثمَّ أسنده عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما كما سبق، ثمَّ عن سعيد بن جُبير. وقد أنكر الزَّمخشري هذا التَّأويل وبالغ في ذلك كعادتهِ، وعمدة إنكاره أنَّ حذف ما لا دَليل عليه غيرُ جائز، وقدر هو متعلق الأمر الفسق؛ أي أمرناهم بالفسقِ ففعلوا، والأمر مجاز؛ لأنَّ حقيقة أمرهم بالفسق أن يقول لهم
ج 20 ص 142
افسقوا، وهذا لا يكون فبقي أن يكون مجازًا، ووجه المجاز أنَّه صبَّ عليهم النِّعمة صبًا فجعلوها ذريعة إلى المعاصي واتباع الشَّهوات، فكأنَّهم مأمورون بذلك لتسبب إيلاء النِّعم فيه، وإنَّما خوَّلهم إيَّاها ليشكروا فآثروا الفسوق، فلمَّا فسقوا حقَّ عليها القول وهي كلمة العذاب فدمَّرهم، فأجاب أبو حيَّان في «البحر» بأنَّ قوله لأنَّ حذف ما لا دَليل عليه غيرُ جائز تعليلٌ لا يصحُّ فيما نحن بسبيله، بل ثمَّة ما يدلُّ على خلافه؛ لأنَّ حذف الشَّيء تارةً يكون لدَلالة موافقه عليه، ومنه ما مثَّل به هو في قوله في جملة هذا البحث أمرته فقامَ وأمرته فقرأ، وتارةً يكون لدَلالة خلافهِ أو ضدِّه أو نقيضِهِ، فمن ذلك قوله تعالى {وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} [الأنعام 13] أي ما سكنَ وتحرَّك {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} [النحل 81] أي والبردَ وتقول امرأتُه فلم يُحسن، بل المعنى امرأتُه بالإحسان فلم يحسنْ، وهذه الآية من هذا القبيل يستدلُّ على حذف النَّقيض بإثبات نقيضه، ودَلالة النَّقيض على النَّقيض كدَلالة النَّظير على النَّظير، ثمَّ هذا الباب مع ما ذكره من قوله {وإذا أردنا ... } إلى آخره، ثابت عن أبي ذرٍّ بهامش الفرع هنا، وبعد قوله السَّابق {مَثْبُورًا} ملعونًا، ونبَّه محرِّره ومقابله محمَّد المزِّي أنَّه وجد كذا في الموضعين من اليونينية.