2032 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مُسرهَد، قال (حَدَّثَنَا) وفي رواية أبي ذرٍّ بالإفراد (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطَّان (عَنْ عُبَيْدِ الله) بصيغة التصغير، هو ابن عمر، عن العمري أنَّه قال (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما أَنَّ عُمَرَ) بن الخطَّاب (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لم يذكر هنا موضع السُّؤال، وسيأتي في (( النَّذر ) ) [خ¦6697] من وجه آخر أنَّ ذلك كان بالجعرانة لمَّا رجعوا من حنين. ويُستفاد منه الرَّد على من زعم أنَّ اعتكاف عمر رضي الله عنه كان قبل المنع من الصِّيام في اللَّيل؛ لأنَّ غزوة حنين متأخِّرة عن ذلك.
(قَالَ كُنْتُ نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ) وفي رواية مسلم من طريق حفص بن غياث عن عبيد الله (( فلمَّا أسلمت سألت ) ). وفيه ردٌّ على من زعم أنَّ المراد بالجاهليَّة ما قبل فتح مكَّة، وإنَّما نذر في الإسلام.
وأصرح من ذلك ما أخرجه الدَّارقطني من طريق سعيد بن بشير، عن عبيد الله بلفظ (( نذر عمر أن يعتكفَ في الشِّرك ) ).
(أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً) قال الكرماني فيه أنَّه لا يشترط الصَّوم لصحَّة الاعتكاف. انتهى. وذلك لأنَّ اللَّيل ليس ظرفًا للصَّوم، فلو كان شرطًا لأمره النَّبي صلى الله عليه وسلم
ج 9 ص 641
به.
وتعقِّب بأنَّ في رواية سعيد عن عبيد الله عند مسلم (( يومًا ) )بدل (( ليلة ) ). وقد جمع ابن حبَّان وغيره بين الرِّوايتين بأنَّه نذر اعتكاف يوم وليلة. فمن أطلق ليلة أراد بيومها، ومن أطلق يومًا أراد بليلته على أنَّه قد ورد الأمر بالصَّوم في رواية عمرو بن دينار، عن ابن عمر رضي الله عنهما صريحًا حيث زاد فيها أنَّه صلى الله عليه وسلم قال له (( اعتكف وصم ) ). لكن قال ابن عديِّ والدَّارقطني إنَّه تفرَّد بذلك عن عمرو بن دينار عبد الله بن بُدَيل، وهو ضعيفٌ. ورواية من روى يومًا شاذَّة. وقد وقع في رواية سليمان بن بلال الآتية إن شاء الله تعالى بعد أبواب [خ¦2042] (( فاعتكف ليلة ) )فدلَّ على أنَّه لم يزد على نذره شيئًا، وأنَّ الاعتكاف لا صوم فيه، وأنَّه لا يشترط له حدٌّ، قاله الحافظ العسقلاني، وهو مذهبُ الشَّافعيَّة، والحنابلة كما مرَّ.
وعن أحمد أيضًا لا يصحُّ بغير صوم، والأوَّل هو الصَّحيح عندهم، وعليه أصحابهم. وقالت المالكيَّة والحنفيَّة لا يصحُّ إلَّا بصوم، واحتجُّوا بأنَّه صلى الله عليه وسلم لم يعتكف إلَّا بصوم، وقد مرَّ تفصيل ذلك [خ¦2025 قبل] .
واعلم أنَّ بعضهم قد وثَّق عبد الله بن بُدَيل، وقد علَّق له البخاري. وأمَّا ما قاله ابن حزم من أنَّه لا يعرف هذا الخبر؛ يعني حديث عمرو بن دينار عن ابن عمر رضي الله عنهما من مسند عمرو بن دينار أصلًا، ولا يعرف لعمرو بن دينار عن ابن عمر رضي الله عنهما حديث مسند إلَّا ثلاث أحاديث ليس هذا منها. ففيه أنَّ لعمرو بن دينار في الصَّحيح نحو عشرة أحاديث [خ¦395] [خ¦1627] [خ¦1645] عن ابن عمر رضي الله عنهما كما لا يخفى على من تصفَّح الصَّحيح.
(فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) وفي رواية ، والمراد حول الكعبة، ولم يكن في عهده صلى الله عليه وسلم، ولا أبي بكر رضي الله عنه جدار، بل الدُّور حول البيت وبينها أبواب لدخول النَّاس، فوسَّعه عمر رضي الله عنه بدور اشتراها وهدمها، واتَّخذ للمسجد جدارًا قصيرًا دون القامة، ثمَّ تتابع النَّاس على عمارته وتوسيعه، ذكره الإمام القسطلاني.
(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (أَوْفِ بِنَذْرِكَ) الذي نذرته في الجاهليَّة. واستشكل ذلك بأنَّ الصَّحيح أنَّ نذر الكافر غير صحيح.
وأُجيب بأنَّ المراد أنَّه نذر بعد إسلامه في زمن لا يقدر أن يفي بنذره فيه؛ لمنع الجاهليَّة للمسلمين من دخول مكَّة،
ج 9 ص 642
ومن الوصول إلى الحرم. ورُدَّ بأنَّ الدَّارقطني [أخرجه] من طريق سعيد بن بشير عن عبيد الله بلفظ نذر عمر رضي الله عنه أن يعتكف في الشِّرك. فهو صريح في أنَّ نذرَه كان قبل إسلامه في الجاهليَّة.
فالمراد من قوله صلى الله عليه وسلم (( أوف بنذرك ) )على سبيل النَّدب لا على الوجوب؛ لعدم أهليَّة الكافر للتقرُّب، فحمله على النَّدب أولى؛ إذ لا يحسن تركه في الإسلام ما عزم عليه في الكفر من الخير، والله أعلم.
وعند الحنابلة يصحُّ النَّذر من الكافر، وعبارة المرداوي في «تنقيح المقنع» النَّذر مكروه، وهو إلزام مكلَّفٍ مختارٍ ولو كافرًا بعبادة نصًّا نفسه لله تعالى.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في الأيمان والنُّذور أيضًا، وكذا أبو داود، والتِّرمذي، وأخرجه النَّسائي في الاعتكاف، وابن ماجه في الصِّيام.