1239 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسي (قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج (عَنِ الأَشْعَثِ) بفتح الهمزة وسكون المعجمة وفتح المهملة وبالمثلثة، هو ابن الشَّعثاء المحاربي، وقد مرَّ في باب «التيمُّن في الوضوء» [خ¦426] .
(قَالَ سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ سُوَيْدِ) بضم المهملة وفتح الواو وسكون المثناة التحتية (ابْنِ مُقَرِّنٍ) بضم الميم وفتح القاف وكسر الراء المشددة وبالنون، الكوفي (عَنِ الْبَرَاءِ) وفي رواية (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) ، ولمسلم من طريق زهير بن معاوية عن الأشعث عن معاوية بن سويد قال (( دخلتُ على البراء بن عازب رضي الله عنه فسمعتُه يقول أمرنا. .. ) )الحديث.
ورجال إسناد هذا الحديث ما بين بصري وواسطي وكوفي. وقد أخرج متنه المؤلِّف في «المظالم» [خ¦2445] ، و «اللِّباس» [خ¦5838] ، و «الطِّب» [خ¦5650] و «النُّذور» [خ¦6654] ، و «النِّكاح» [خ¦5175] ، و «الاستئذان» [خ¦6235] ، و «الأشربة» [خ¦5635] . وأخرجه مسلم في «الأطعمة» ، والتِّرمذي في «الاستئذان» ، و «اللِّباس» ،
ج 6 ص 154
والنَّسائي في «الجنائز» ، و «الأيمان والنُّذور» ، و «الزِّينة» ، وابن ماجه في «الكفَّارات» و «اللِّباس» .
(قَالَ أَمَرَنَا النَّبِيُّ) وفي رواية (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبْعٍ) أي بسبع خصال (وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ؛ أَمَرَنَا بِاتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ) والمشي معها إلى حين دفنها بعد الصَّلاة عليها، أمَّا الصَّلاة فهي فروض الكفاية عند الجمهور. وقال أصبغ من المالكيَّة الصَّلاة على الميِّت سنَّة.
وقال الدَّاودي اتباع الجنائز حملها بعض النَّاس عن بعض قال وهو واجبٌ على ذي القرابة الحاضر والجار، ويراه للتَّأكيد لا للوجوب الحقيقي. ثمَّ الاتباع على ثلاثة أقسام
الأوَّل أن يصلِّي فقط فله قيراط، والثَّاني أن يذهب فيشهد دفنها فله قيراطان، والثَّالث أن يلقنه.
قال العيني والتَّلقين عندنا عند الاحتضار، وقد عرف في الفروع، وكذلك المشي خلف الجنازة أفضل عندنا. وفي «التَّوضيح» المشي أمامها بقربها أفضل عندنا من الاتِّباع، وبه قال أحمد لأنَّه شفيع وحق الشَّفيع أن يتقدَّم. وعند المالكيَّة ثلاثة أقوال التقدُّم والتأخُّر، وتقدُّم الماشي وتأخُّر الراكب. وأما النِّساء فيتأخَّرون بلا خلاف، ومشهور مذهبهم كمذهبنا.
واحتجَّت الشَّافعية فيما ذهبوا إليه بحديثٍ أخرجه الأربعة عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال رأيت النَّبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر رضي الله عنهما يمشون أمام الجنازة، وبه قال القاسم وسالم بن عبد الله والزُّهري وشريح وخارجة بن زيد وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وعلقمة والأسود وعطاء ومالك.
ويحكى ذلك عن أبي بكر وعمر وعثمان وابن عمر وأبي هريرة والحسن بن علي وابن الزُّبير وأبي قتادة وأبي أسيد.
وذهب إبراهيم النَّخعي وسفيان الثَّوري والأوزاعي وسويد بن غَفَلة ومسروق وأبو قلابة وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمَّد وإسحاق وأهل الظَّاهر إلى أنَّ المشي خلف الجنازة أفضل.
ويروى ذلك عن عليِّ بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وأبي الدَّرداء وأبي أمامة وعَمرو بن العاص رضي الله عنهم. واحتجُّوا في ذلك بما رواه أبو داود بإسناده إلى أبي هريرة رضي الله عنه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( لا تُتْبَع الجنازة بصوتٍ ولا نارٍ ) ). وزاد هارون شيخ أبي داود (( ولا مشي بين يديها ) ). واحتجُّوا أيضًا بحديث سهل بن سعد رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان يمشي خلف الجنازة.
رواه ابن عديٍّ في «الكامل» ، وبحديث أبي أُمامة رضي الله عنه قال سأل أبو سعيد الخدري عليَّ بن أبي طالب رضي الله عنهما
ج 6 ص 155
المشي خلف الجنازة أفضل أم أمامها، فقال علي رضي الله عنه والذي بعث محمَّدًا بالحقِّ إنَّ فضل الماشي خلفها على الماشي أمامها كفضل الصَّلاة المكتوبة على التطوُّع.
فقال أبو سعيد رضي الله عنه أبرأيك تقول أم شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فغضبَ وقال لا والله بل سمعت غير مرَّة ولا اثنين ولا ثلاث حتَّى سبعًا، فقال أبو سعيد رضي الله عنه إنِّي رأيت أبا بكر وعمر رضي الله عنهما يمشيان أمامها، فقال يغفرُ الله لهما لقد سمعا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سمعته، وإنَّهما والله لخير هذه الأمَّة، ولكنَّهما كرها أن يجمع النَّاس ويتضايقوا فأحبَّا أن يسهِّلا على النَّاس، رواه عبد الرَّزَّاق في «مصنَّفه» .
وروى عبد الرَّزَّاق أيضًا أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه قال ما مشى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتَّى مات إلَّا خلف الجنازة.
وروى ابنُ أبي شيبة حدَّثنا عيسى بن يونس، عن ثور، عن شريح، عن مسروق قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إنَّ لكلِّ أمَّة قربانًا، وإن قربان هذه الأمَّة موتاها، فاجعلوا موتاكُم بين أيديكم ) ).
وروى الدَّارقطني من حديث عبيد الله بن كعب، عن أبيه كعب بن مالك قال جاء ثابت بن قيس بن شمَّاس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إنَّ أمَّه توفِّيت وهي نصرانيَّة، وهو يحب أن يحضرَها فقال له النَّبي صلى الله عليه وسلم (( اركب دابتك وسر أمامها، فإنَّك إذا كنتَ أمامها لم تكن معها ) ).
وروى ابن أبي شيبة بإسناده إلى عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنَّ أباه قال له كن خلف الجنازة، فإنَّ مقدَّمها للملائكة، ومؤخِّرها لبني آدم.
وهذه الأحاديث المذكورة وإن كانت ضعيفة، لكنَّها تتقوَّى بكثرتها فتصلح للاحتجاج مع أنَّ لنا فيه حديثًا رواه البخاري [خ¦47] عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( من اتَّبع جنازة مسلم إيمانًا واحتسابًا، وكان معها حتَّى يصلَّى عليها ويفرغ من دفنها، فإنَّه يرجع من الأجر بقيراطين ) )والاتباع لا يكون إلَّا إذا مشى خلفها، فدلَّ ذلك على أنَّ الجنازة متبوعة.
وقد جاء هذا اللَّفظ صريحًا في حديث رواه أبو داود عن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعًا (( الجنازة متبوعة ) ). ورواه التِّرمذي
ج 6 ص 156
وابن ماجه وأحمد وإسحاق وأبو يعلى وابن أبي شيبة.
وأمَّا أثر طاوس فإنَّه وإن كان مرسلًا فهو حجَّة عندنا، وحديثهم الذي احتجُّوا وهو حديث ابن عمر رضي الله عنهما قد اختَلَفَ فيه أئمَّة الحديث بحسب الصحَّة والضَّعف، وقد روي متَّصلًا ومرسلًا. فذهب ابن المبارك إلى ترجيح الرِّواية المرسلة على المتَّصلة رواه التِّرمذي وغيره عنه.
وقال النَّسائي بعد تخريجه للرِّواية المتصلة هذا خطأ، والصَّواب أنَّه مرسل. وقال التِّرمذي وأهل الحديث كلُّهم يرون أنَّ الحديث المرسل في ذلك أصح.
فإن قيل روى التِّرمذي حدَّثنا محمَّد بن المثَّنى حدَّثنا محمَّد بن بكر حدَّثنا يونس بن يزيد، عن الزُّهري، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان يمشي أمامَ الجنازة وأبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم.
فالجواب أنَّه قال التِّرمذي سألت محمَّدًا عن هذا الحديث فقال هذا أخطأ فيه محمَّد بن بكر، وإنَّما يروى هذا عن يونس عن الزُّهري أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانوا يمشون أمام الجنازة، فإذا صحَّ الأمر على ذلك فلا يبقى لهم حجَّة فيه؛ لأنَّ المرسل ليس بحجَّة عندهم.
وتأويلهم الاتباع بالأخذ في طريق الجنازة، والسَّعي لأجلها، كما يقال الجيش يتبع السُّلطان؛ أي يتوخَّى موافقته، وإن تقدَّم كثير منهم في المشي والرُّكوب فصرف اللَّفظ عن ظاهره بلا داع إليه، والله أعلم.
(وَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ) بالجر عطفًا على الاتباع؛ أي زيارته، مِن عُدت المريض أعوده عيادة، إذا زرته وسألت عن حاله، وعاد إلى فلان يَعُود عَوْدة وعودًا، إذا رجع، وفي المثل العَوْدُ أحمدُ. وهي سنَّة، وقيل واجبة بظاهر حديث أبي هريرة رضي الله عنه الآتي [خ¦1240] .
وقد روي في ذلك عن جماعة من الصَّحابة رضي الله عنهم وهم أبو موسى وثوبان وأبو هريرة وعليِّ بن أبي طالب وأبو أُمامة وجابر بن عبد الله وجابر بن عتيك وأبو مسعود وأبو سعيد وعبد الله بن عمر وأنس وأسامة بن زيد وزيد بن أرقم وسعد بن أبي وقاص وابن عبَّاس وابن عمرو وأبو أيُّوب وعثمان وكعب بن مالك وعبد الله بن أبي بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جدِّه، وعمر بن الخطَّاب وأبو عبيدة بن الجراح والمسيَّب بن حزن وسلمان وعثمان بن أبي العاص
ج 6 ص 157
وعوف بن مالك وأبو الدَّرداء وصفوان بن عسال ومعاذ بن جبل وجبير بن مطعم وعائشة وفاطمة الخزاعيَّة وأمُّ سليم وأم العلاء رضي الله عنهم.
فحديث أبي موسى عند «البخاري» [خ¦3046] (( عودوا المريضَ، وأطعموا الجائعَ، وفكُّوا العاني ) ).
وحديث ثوبان عند مسلم (( إنَّ المسلم إذا عاد أخاه المسلم لم يزل في مخرفة الجنَّة حتَّى يرجع قيل يا رسول الله وما مخرفة الجنَّة؟ قال جناها ) ). والمخرفة البستان يعني يستوجب الجنَّة ومخارفها.
وحديث أبي هريرة رضي الله عنه سيأتي في هذا الباب إن شاء الله تعالى [خ¦1240] .
وحديث عليِّ بن أبي طالب عند التِّرمذي (( ما من عبد يعود مسلمًا إلا أتبعه الله سبعين ألف ملك يصلُّون عليه أيَّ ساعة من النَّهار كانت حتَّى يمسي، وأي ساعة من اللَّيل كانت حتَّى يصبح ) ).
وحديث أبي أُمامة عند أحمد (( من تمام عيادة المريض أن يضع أحدكم يده على جبهته أو يده ويسأله كيف هو ) ).
وحديث جابر بن عبد الله عند أحمد أيضًا (( من عاد مريضًا لم يزل يخوض الرَّحمة حتَّى يجلس، فإذا جلس اغتمس فيها ) ).
وحديث جابر بن عتيك عند أبي داود (( أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد عبد الله بن ثابت ... ) )فذكر الحديث مطوَّلًا.
وحديث أبي مسعود عند الحاكم (( للمسلم على المسلم أربع خلال يشمِّته إذا عطس، ويجيبه إذا دعاه، ويشهده إذا مات، ويعودُه إذا مرض ) ).
وحديث أبي سعيد عند ابن حبَّان (( عودوا المريض واتَّبعوا الجنائز ) ).
وحديث عبد الله بن عمر عند مسلم (( من يعودُ منكم سعد بن عبادة فقام فقمنا معه ونحن بضعة عشر ) ).
وحديث أنس عند البخاري قال (( كان غلام يهودي يخدم النَّبي صلى الله عليه وسلم فمرض، فأتاه النَّبي صلى الله عليه وسلم يعودُه فقعدَ عند رأسه فقال له أسلم، فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال له أطعْ أبا القاسم، فأسلم فخرج النَّبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول الحمد لله الذي أنقذه من النَّار ) ) [خ¦1356] .
وحديث أسامة بن زيد عند الحاكم قال (( خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يعود عبد الله بن أُبيٍّ في مرضه الذي مات فيه ) ).
وحديث زيد بن أرقم عنده أيضًا (( عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجع كان بعيني ) )
ج 6 ص 158
وقال الحاكم صحيح على شرطهما.
وحديث سعد بن أبي وقاص عند الحاكم أيضًا قال (( اشتكيتُ بمكَّة فجاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم يَعودني، ووضعَ يده على جبهتي ) ).
وحديث ابن عبَّاس عنده أيضًا (( من عادَ أخاه المسلم فليقعدْ عند رأسه ) )الحديث وقال صحيح على شرط البخاري.
وحديث ابن عَمرو عنده أيضًا (( إذا عادَ أحدكم مريضًا فليقل اللَّهم اشفْ عبدك ) )وقال صحيحٌ على شرط مسلم.
وحديث أبي أيُّوب عند ابن أبي الدُّنيا قال (( عادَ رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلًا من الأنصار فأكبَّ عليه يسأله فقال يا رسول الله ما غمضتُ منذ سبع ليالٍ، ولا أحد يحضرني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أي أخي اصبرْ تخرج من ذنوبك، كما دخلت فيها ) ).
وحديث عثمان عند. .. [1] قال دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني وأنا مريض فقال (( أعيذك بالله الأحد الصَّمد ) )الحديث وسنده جيدٌ.
وحديث كعب بن مالك عند الطَّبراني في «الكبير» (( من عاد مريضًا خاض في الرَّحمة، فإذا جلسَ استنقع فيها ) ).
وحديث عبد الله بن أبي بكر بن محمَّد بن عَمرو بن حزم، عن أبيه، عن جدِّه عند الطَّبراني أيضًا (( من عاد مريضًا فلا يزالُ في الرَّحمة حتَّى إذا قعد عنده استنقعَ فيها، ثمَّ إذا خرجَ من عنده فلا يزال يخوضُ فيها حتَّى يروحَ من حيث خرج ) ).
وحديث عمر بن الخطَّاب عند ابن مردويه قال يا رسول الله ما لنا من الأجر في عيادةِ المريض؟ فقال (( إنَّ العبدَ إذا عاد المريض خاضَ في الرَّحمة إلى حقوه ) ).
وحديث أبي عبيدة بن الجرَّاح عند ابنِ أبي شيبة في «مصنَّفه» قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( من عادَ مريضًا أو أماط أذىً من الطَّريق فحسنة بعشر أمثالها ) ).
وحديث سلمان عند الطَّبراني قال دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني، فلمَّا أراد أن يخرج قال (( يا سلمان كشفَ الله ضرَّك، وغفرَ ذنبك، وعافاك في دينك وجسدِك إلى أجلك ) ).
وحديث عثمان بن أبي العاص عند الحاكم في «المستدرك» جاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني من وجع اشتدَّ بي.
وحديث عوف بن مالك عند الطَّبراني أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( عودوا المريض واتَّبعوا الجنازة ) ).
وحديث
ج 6 ص 159
أبي الدَّرداء عند الطَّبراني أيضًا قال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( إنَّ الرَّجل إذا خرج يعود أخًا له مؤمنًا خاض في الرَّحمة إلى حقويه، فإذا جلسَ عند المريض فاستوى جالسًا غمرته الرَّحمة ) ).
وحديث صفوان بن عسال عند الطَّبراني أيضًا قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( من زارَ أخاه المؤمن خاض في الرَّحمة حتَّى يرجعَ، ومن زارَ أخاه المريض خاضَ في رياض الجنَّة حتَّى يرجعَ ) ).
وحديث معاذ بن جبل عند الطَّبراني أيضًا قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( خمسٌ مَن فعل واحدة منهن كان ضامنًا على الله عزَّ وجلَّ، مَن عاد مريضًا، أو خرج مع جنازة، أو خرج غازيًا، أو دخل على إمامه يريد تعزيره وتوقيره، أو قعدَ في بيته فسَلِمَ النَّاس منه وسلِمَ من النَّاس ) ).
وحديث جُبير بن مطعم عنده أيضًا قال رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد سعيد بن العاص فرأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يكمده بخرقة.
وحديث عائشة رضي الله عنها عند سيف في كتاب «الردَّة» قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( العيادة سنَّة عودوا غبًا، فإن أغميَ على مريض فحتَّى يفيق ) ).
وحديث فاطمة الخزاعيَّة عند ابن أبي الدُّنيا قالت (( عادَ رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من الأنصار فقال كيف نجدك؟ قالتُ بخير يا رسول الله ) )الحديث.
وحديث أمِّ سُليم عند ابن أبي الدُّنيا في كتاب «المرض والكفَّارات» قالت مرضت فعادني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال (( يا أم سُليم أتعرفين النَّار والحديد وخبث الحديد ) )قلت نعم يا رسول الله فقال (( يا أم سُليم فإنَّك إن تخلصي من وجعك هذا تخلصي منه كما تخلص الحديد من النَّار من خبثه ) ).
وحديث أمِّ العلاء عند أبي داود قالت عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مريضة. الحديث.
ثمَّ إنَّ عيادة المريض سنَّة كما تقدَّم سواء كان المرض الرَّمد وغيره من الأمراض، وسواء الصَّديق والعدو ومن يعرفه ومن لا يعرفه ولو ذميًّا، وإذا كان قريبًا أو جارًا يتأكَّد ذلك وفاء بصلة الرَّحم، وحقِّ الجوار؛ لعموم الأخبار.
والظَّاهر أنَّ المُعاهِد والمستأمن كالذِّمي، وفي استحباب عيادة أهل البدع المنكرة وأهل الفجور والمكوس إذا لم يكن قرابة ولا جوار ولا رجاء توبةٍ نظرٌ، فإنَّا مأمورون بمهاجرتهم،
ج 6 ص 160
ولتكن العيادة غبًا فلا يواصلها كل يوم إلَّا أن يكون مغلوبًا، وهذا في غير القريب والصَّديق ونحوهما ممن يستأنس به المريض، أو يتبرك به، أو يشق عليه عدم رؤيته كلَّ يوم أمَّا هؤلاء فيواصلونها ما لم ينهوا أو لم يعلموا كراهته.
وقول الغزالي إنَّما يعاد بعد ثلاث؛ لخبر ورد فيه، [و] ردٌّ بأنَّه موضوع ذكره القسطلاني، ويدعو له وينصرف. ويستحبُّ في دعائه أن يقول (( أسألُ الله العظيم ربَّ العرش العظيم أن يشفيك ) )سبعَ مرات رواه التِّرمذي وحسنه.
ويخفِّف المكث عنده، بل تكره إطالته لما فيه إضجاره ومنعه من بعض تصرُّفاته، والله أعلم.
(وَإِجَابَةِ الدَّاعِي) بالجرِّ أيضًا، الإجابة مصدر، والاسم الجابة بمنزلة الطَّاعة، يقال أجابه وأجاب عن سؤاله، والاستجابة بمعنى الإجابة ومنه الجواب، والدَّاعي من دعا يدعو دعوة.
والدَّعوة _ بالفتح _ إلى الطعام، وبالكسر في النسب، وبالضم في الحرب، يقال دعوت الله له وعليه دعاءً.
وفي «التَّوضيح» إن كانت الدَّعوة إلى وليمة النِّكاح، فجمهورُ العلماء على الوجوب قالوا والأكل واجب على الصَّائم انتهى. وعندنا مستحب.
وقال الطِّيبي إذا دعا المسلم المسلم إلى ضيافة وجب عليه طاعته إذا لم يكن ثمة ما يتضرَّر بدينه من الملاهي ومفارش الحرير.
وقال الفقيه أبو اللَّيث إذا دعيت إلى وليمة، فإن لم يكن ماله حرامًا ولم يكن فيها فسقٌ فلا بأس بالإجابة، وإن كان ماله حرامًا فلا يجيب، وكذلك إذا كان فاسقًا معلنًا فلا يجيبه ليعلَم أنَّك غير راضٍ بفسقهِ.
وإذا أتيت وليمة فيها منكر فانههم عن ذلك، فإن لم ينتهوا فارجع لأنَّك إن جالستهم ظنُّوا أنَّك راض بفعلهم، وروي عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال (( من تشبَّه بقوم فهو منهم ) ).
وقال بعضهم إجابة الدَّعوة واجبة لا يسع تركها، واحتجُّوا بما روي عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال (( من لم يجب الدَّعوة فقد عصى أبا القاسم ) ).
وقالت عامَّة العلماء ليست بواجبة ولكنَّها سنَّة، والأفضل أن يجيب إذا كانت وليمة يدعى فيها الغني والفقير، وإذا دعيت إلى وليمة وأنت صائم فأخبره بذلك، فإن قال لا بدَّ من الحضور فأجبه، فإذا دخلت المنزل فإن كان صومك تطوُّعًا وتعلم أنَّه لا يشقُّ عليه ذلك فلا تفطر،
ج 6 ص 161
وإن علمت أنَّه يشقُّ عليه امتناعك من الطَّعام فإن شئت فأفطر واقض يومًا مكانه، وإن شئتَ فلا تفطر والإفطار أفضل؛ لأنَّ فيه إدخال السُّرور على المؤمن.
وقال بعضُ الحكماء
~مَنْ دَعَانَا فَأَبَيْنَا فَلَهُ الفَضْلُ عَلَيْنَا
~وَإِذَا نَحْنُ أَجَبْنَا رَجَعَ الفَضْلُ إِلَيْنَا
قيل وإيَّاك أن تمتنعَ بعد الإجابة من الحضور إلَّا بعذر ظاهر؛ لأنَّ في الامتناع عن الإجابة جفاء، وفيه أيضًا خلاف الوعد.
وروى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أنَّ رجلًا أضاف رسول الله صلى الله عليه وسلم مع صحبه، وكان فيهم رجل صائم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم (( أجبْ أخاك وأفطرْ واقض يومًا مكانه ) ).
وروي عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال (( إذا دُعي أحدُكم إلى وليمة فليُجب، فإن كان مفطرًا فليأكل، وإن كان صائمًا فليصل له؛ يعني يدعو له بالبركة ) ).
وروي عن عمر رضي الله عنه أنَّه دعي إلى طعام فجلس ووضع الطَّعام فمدَّ يده، فقال خذوا بسم الله ثمَّ قبض يده فقال إنِّي صائمٌ، كذا في «بستان العارفين» .
(وَنَصْرِ الْمَظْلُومِ) بالجرِّ أيضًا، مسلمًا كان أو ذميًّا بالقول والفعل، وهو فرضٌ على من قدر عليه ويطاع أمره. وعن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( انصرْ أخاكَ ظالمًا أو مظلومًا، فقال رجلٌ يا رسول الله أنصره إذا كان مظلومًا أفرأيتَ إن كان ظالمًا كيف أنصره؟ قال تحجزه أو تمنعه عن الظُّلم، فإنَّ ذلك نصره ) )رواه البخاريُّ [خ¦6952] والتِّرمذي.
وفي رواية مسلم عن جابر عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( ولينصر الرَّجل أخاه ظالمًا أو مظلومًا إن كان ظالمًا فلينهه، فإنَّ له نصرة، وإن كان مظلومًا فلينصره ) ).
وعن سهل بن معاذ بن أنس الجهني، عن أبيه، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( من حمى مؤمنًا عن منافق أراه قال بعث الله ملكًا يحمي لحمَه يوم القيامة من نار جهنَّم ) )رواه أبو داود.
وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( قال الله تبارك وتعالى وعزَّتي وجلالي لأنتقمنَّ من الظَّالم في عاجله وآجله، ولأنتقمنَّ من رأى مظلومًا فقدر أن ينصرَه فلم يفعلْ ) )رواه أبو الشَّيخ ابن حبَّان في كتاب «التَّوبيخ» .
(وَإِبْرَارِ الْقَسَمِ) بالجر أيضًا، والإبرار _ بكسر الهمزة _ إفعال من البر، خلاف الحنث، يقال أبر القسم إذا صدقه، ويروى بضم الميم وسكون القاف وكسر السين، قيل هو تصديق من أقسم عليك، وهو أن يفعلَ ما سأله الملتمس وأقسم عليه أن يفعله.
وقال الطِّيبي المراد من المقسم الحالف، ويكون المعنى أنَّه لو حلف أحد على أمر يستقبل وأنت تقدر على تصديق يمينه كما لو أقسم أن لا يفارقك حتَّى تفعل كذا، وأنت تستطيع فعله فافعل لئلَّا يحنث في يمينه، وهو خاصٌّ فيما يحل وهو من مكارم الأخلاق، فإن ترتَّب على تركه مصلحة فلا، ولذا قال صلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي الله عنه في قصَّة تعبير الرُّؤيا (( لا تقسم ) )حين قال أقسمتُ عليك يا رسول الله لتخبرني بالذي أصبت [خ¦7046] .
(وَرَدِّ السَّلاَمِ) وهو فرضٌ على الكفاية. وفي «التَّوضيح» ردُّ السَّلام فرض على الكفاية عند مالك والشَّافعي، وعند الكوفيين فرضُ عينٍ على كلِّ أحدٍ من الجماعة.
وقال صاحب «المعونة» الابتداء بالسَّلام
ج 6 ص 162
سنَّة، وردُّه آكد من ابتدائه، وأقلُّه السَّلامُ عليكم. وقال أصحابنا ردُّ السَّلام فريضة على كلِّ من سمع السَّلام إذا قام به البعض سقط عن الباقين، والتَّسليم سنَّة، وثواب المسلِّم أكثر، ولا يصحُّ الرَّد حتَّى يسمعه المسلم إلَّا أن يكون أصم، فينبغي أن يرد عليه بتحريك شفتيه، وكذلك تشميتُ العاطس.
ولو سلَّم على جماعة وفيهم صبيٌّ فردَّ الصَّبي إن كان لا يعقل لا يصحُّ، وإن يعقل هل يصح؟ فيه اختلاف، ويجب على المرأة ردُّ سلام الرَّجل، ولا ترفع صوتها لأنَّ صوتها عورة، وإن سلمت عليه فإن كانت عجوزًا ردَّ عليها، وإن كانت شابَّة ردَّ في نفسه، وعلى هذا التَّفصيل تشميت الرَّجل المرأة وبالعكس، ولا يجب ردُّ سلام السَّائل، ولا ينبغي أن يسلِّم على من يقرأ القرآن، فإن سلَّم عليه يجبُ الرد عليه.
(وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ) بالجر أيضًا، وتشميت العاطس دعاء له بخيرٍ، وكلُّ داعٍ لأحد بخير فهو مشمِّت، ويقال أيضًا بالسين المهملة.
وقال ابن الأثير التَّشميت _ بالشين والسين _ الدُّعاء بالخير والبركة، والمعجمة أعلاهما، يقال شمَّت فلانًا، وشَمَتُّ عليه تَشْمِيتًا فهو مُشَمِّتٌ، واشتقاقُه من الشَّوَامِتِ وهي القوائم كأنَّه دعا للعاطس بالثَّبات على طاعة الله عزَّ وجلَّ، وقيل معناه أبعدكَ الله عن الشَّماتة، وجنَّبك ما يُشَمَّتُ به عليك.
والشَّماتة فرح العدو ببليَّة تنزل بمن يعاديه، يقال شَمِتَ به يَشْمَتُ فهو شَامِت، وأَشْمَتَه غيرُه، والمراد به أن يقولَ يرحمك الله، إذا حمدَ العاطس، ويردُّ العاطس بقوله يهدِيْكُم الله ويُصلح بالكم.
وروي عن الأوزاعيِّ أنَّ رجلًا عطسَ بحضرتهِ فلم يحمد، فقال كيف تقول إذا عطسْتَ؟ قال الحمد لله، فقال له يرحمُك الله، وهو وجوابه سنَّة على الكفاية خلافًا لبعض المالكيَّة.
قال مالك ومن عطسَ في الصَّلاة حمدَ في نفسه، وخالفه سُحْنون فقال ولا في نفسه، وقد ذكر بعض ما يتعلَّق به في ردِّ السَّلام.
(وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ) وقد سقط في رواية لفظ «سبع» (آنِيَةِ الفِضَّةِ) وعلى تقدير وجودِ «سبع» يجوز في «آنية» الجرِّ والرَّفع، أمَّا الجر فعلى أنَّه بدل من «سبع» ، وأمَّا الرفع فعلى أنَّه خبر مبتدأ محذوفٍ؛ أي أحدها آنية الفضَّة. والنَّهي فيه نهي تحريم، وكذلك آنية الذَّهب بل هي أشد.
قال أصحابنا لا يجوزُ استعمال آنية الذَّهب والفضَّة للرِّجال والنِّساء؛ لما في حديث حذيفة
ج 6 ص 163
رضي الله عنه عند الجماعة (( ولا تشربوا في آنية الذَّهب والفضَّة، ولا تأكلوا في صحافها ... ) )الحديث [خ¦5426] . وقالوا وعلى هذا المجمرة والمعلقة والمدهن والمكحلة والميل والمرآة ونحو ذلك فيستوي في ذلك الرِّجال والنِّساء؛ لعموم النَّهي، والحكمة مشتركة وهي السَّرف والخيلاء، وعليه الإجماع.
ويجوز الشُّرب في الإناء المفضض، والجلوس على السَّرير المفضَّض إذا كان يتَّقي موضع الفضَّة؛ أي يتَّقي فمه، وقيل يتقي أخذه باليد.
وقال أبو يوسف يكره، وقول محمَّد مضطرب، ويجوز التجمُّل بالأواني من الذَّهب والفضَّة بشرط أن لا يريد به التَّفاخر والتَّكاثر؛ لأنَّ فيه إظهار نعم الله تعالى.
(وَ) عن (خَاتَمِ الذَّهَبِ) الخاتم _ بفتح التاء وكسرها _ والخيتام والخاتام كله بمعنى، والجمع الخواتيم، وهو حرامٌ على الرَّجال، ومن النَّاس من أباحَ التَّختُّم بالذَّهب؛ لما روى الطَّحاوي في «شرح الآثار» بإسناده إلى محمَّد بن مالك قال رأيتُ على البراء خاتمًا من ذهب، فقيل له فقال قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فألبسنيه وقال (( البسْ ما كساك الله عزَّ وجلَّ ورسوله ) )والجواب أنَّ التَّرجيح للمحرِّم.
وما روي من ذلك كان قبل النَّهي، وأمَّا التَّختم بالفضَّة، فإنَّه يجوز لما روي عن أنس رضي الله عنه (( أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم اتَّخذ خاتمًا من فضَّة، له فصٌّ حبشيٌّ ونقش فيه محمَّد رسول الله ) ). رواه الجماعة [خ¦65] .
والسنَّة أن يكون قدر مثقال فما دونه، والتختُّم سنَّة لمن يحتاج إليه كالسُّلطان والقاضي ومن في معناهما، ومن لا حاجة إليه فتركه أفضل.
(وَ) عن (الْحَرِيرِ) وهو حرامٌ على الرِّجال دون النِّساء كسابقه؛ لما روى أبو داود وابن ماجه من حديث علي رضي الله عنه (( أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم أخذ حريرًا فجعلَه في يمينه، وأخذ ذهبًا فجعلَه في شماله، ثمَّ قال إنَّ هذين حرام على ذكور أمَّتي حلٌّ لإناثها ) ).
وروي عن جماعة من الصَّحابة أنَّهم رووا حل الحرير للنِّساء وهم عمر وحديثه عند البزَّار، وأبو موسى الأشعري وحديثه عند التِّرمذي، وعبد الله بن عَمرو وحديثه عند إسحاق، والبزَّار وأبي يَعلى، وعبد الله بن عبَّاس وحديثه عند البزَّار، وزيد بن أرقم وحديثه عند ابن أبي شيبة، وواثلة بن الأسقع وحديثه عند الطَّبراني، وعقبة بن عامر الجهني وحديثه عند أبي سعيد بن يونس،
ج 6 ص 164
فأحاديثهم خصَّت أحاديث التَّحريم على الإطلاق، وقال بعضهم حرامٌ على النِّساء أيضًا لعموم النَّهي.
(وَ) عن (الدِّيبَاجِ) بكسر الدال، فارسي معرَّب. وقال ابنُ الأثير الدِّيباج الثِّياب المتَّخذة من الإبريسم، وقد يفتح داله ويجمع على دَيَابِيج ودَبَابِيج بالياء والباء؛ لأنَّ أصله دباج.
(وَ) عن (الْقَسِّيِّ) بفتح القاف وكسر السين المهملة المشددة. وقال ابنُ الأثير هو ثيابٌ من كتَّان مخلوط بحرير يؤتى بها من مصر نسبت إلى قرية على ساحل البحر قريبًا من تنيس يقال لها القَس _ بفتح القاف _، وبعض أهل الحديث بكسرها، وقيل أصل القسي القزي _ بالزاي _ منسوب إلى القز، وهو ضرب من الإبريسم، وقيل هو رديءُ الحرير، فأبدل من الزاي سين، وقيل هو منسوبٌ إلى القس، وهو الصَّقيع لبياضه.
وقال العينيُّ القس وتنيِّس وقز كانت مدنًا على ساحلِ بحرِ دِمياط غلبَ عليها البحرُ فاندثرتْ، وكانت تخرج منها ثياب مفتخرة، ويُتاجر بها في البلاد.
ثمَّ القسي إن كان حريره أكثر من الكتَّان فالنَّهي عنه للتَّحريم وإلَّا فللكراهة، كذا قيل، والظَّاهر أنَّه إن كان تمامه بالحرير يحرمُ، وإن كان بالكتَّان لا يحرم.
(وَ) عن (الإِسْتَبْرَقِ) بكسر الهمزة، ثخين الدِّيباج على الأشهر، وقيل رقيقه. وقال النَّسفي في قوله تعالى {يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ} [الدخان 53] السُّندس ما رقَّ من الحريرِ والدِّيباج، والاستبرق ما غلظ منه.
ثمَّ إنَّ الحرير يتناول الثَّلاثة الأخيرة، وفائدة ذكرها بعده الاهتمام بحكمها، أو دفع وهم أن تخصيصها بأسماء لا ينافي دخولها تحت حكم العامِّ، أو الإشعار بأنَّ هذه الثَّلاثة غير الحرير نظرًا إلى العرف، وكونها ذوات أسماء مختلفة مقتضيًا لاختلافِ مسمَّياتها.
وسقط من هذا الحديث الخصلة السَّابعة وهي «ركوبُ المياثر» _ بالمثلثة _، وقد ذكرها في «الأشربة» [خ¦5635] ، و «اللِّباس» [خ¦5849] وهي جمع الميثرة، وهي وطاءٌ يكون على السَّرج من حريرٍ أو صوفٍ أو غيره، وقيل الميثرة جلود السِّباع.
وقال النَّووي الميِثرة _ بكسر الميم _ من الوثارةِ بالمثلثة، يقال هو وثير؛ أي ليِّن، وهو وطاء كانت النِّساء تصنعه لأزواجهنَّ على السُّروج، ويكون من الحرير والصُّوف وغيرهما.
فإن قيل فهذا السَّابع إذا كان من غير الحرير ممَّا يحلُّ فما وجه النَّهي عنه؟
فالجواب أنَّ النَّهي عنه ليس للحرمة بل للكراهة، والنَّهي المذكور في الحديث أعمُّ من أن يكون للحرمة، وأن يكون للكراهة، وكذا الأمر المذكور فيه
ج 6 ص 165
أعمُّ من أن يكون للوجوب، وأن يكون للنَّدب ففي بعض الأمور المذكورة للوجوب، وفي بعضها للنَّدب كما عرفت.
فإن قيل فعلى هذا يلزم استعمال اللَّفظ في معنييه الحقيقي والمجازي وذلك ممتنع.
فالجواب أنَّه ليس ممتنعًا عند الشَّافعي، وأمَّا عند غيره فالمراد منه معنى مجازي أعم من الحقيقي والمجازي، وهذا المجاز هو المجاز الذي يسمَّى بعموم المجاز.
فإن قيل كيف جوَّز الشَّافعي الجمع بينهما، وشرط المجاز أن يكون معه قرينة صارفة عن إرادة المعنى الحقيقي.
فالجواب أنَّ المجاز عند الأصوليِّين أعم ممَّا عند أهل المعاني، فكما جاز عندهم في الكناية إرادة المعنى الحقيقي [2] ، وإرادة غيره أيضًا في استعمال واحد كذلك المجاز عنده، وحاصله أنَّه لا بدَّ في المجاز من قرينة دالَّة على إرادة المعنى المجازي أعم من أن تكون صارفة عن إرادة المعنى الحقيقي أو لا، كذا قال الكرماني، فليتأمَّل.
فإن قيل إنَّ بعض الأحكام المذكورة في الحديث عام للرِّجال والنِّساء كآنية الفضَّة، وبعضها خاص للرِّجال كحرمة خاتم الذَّهب، ولفظ الحديث يقتضي التَّساوي.
فالجواب أنَّ التفصيل علم من غير هذا الحديث كما سبق الإشارة إليه، فإنَّ الأحاديث يفسِّر بعضها بعضًا.
[1] بياض في الأصل.
[2] من قوله (( فالجواب أن. .. إلى قوله المعنى الحقيقي ) )ليس في (خ) .