فهرس الكتاب

الصفحة 9745 من 11127

~كَأَنَّ عَيْنَيَّ فِي غَرْبَيْ مُقَتَّلَةٍ مِنَ النَّوَاضِحِ تَسْقِي جَنَّةً سُحُقًا

فهي من الاجتنان وهو السِّتر؛ لتكاثف أشجارها وتظليلها بالتفافِ أغصانها، وسمِّيت بالجنَّة، وهي المرَّة الواحدة من مصدر جنَّه جنًا إذا ستره، فكأنَّها سترةٌ واحدةٌ لشدَّة التفافها وإظلالها.

(وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ) هو سعدُ بن مالكٍ الخدري رضي الله عنه (قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ زِيَادَةُ كَبِدِ حُوتٍ) وفي رواية أبي ذرٍّ ، وقد تقدَّم هذا الحديث مطولًا في «باب يقبضُ الله الأرض يوم القيامة» [خ¦6520] ، وهو مذكورٌ هنا بالمعنى، وتقدَّم بلفظه في «بدء الخلق» [خ¦3329] من حديث أنسٍ رضي الله عنه، وزيادة الكبد هي قطعةٌ من اللَّحم متعلِّقة بالكبد، وهي ألذُّ الأطعمة وأهنأها.

( {عَدْنٍ} خُلْدٍ) أشار به إلى تفسير عدنٍ في قوله تعالى {جَنَّاتِ عَدْنٍ} [التوبة 72] وفسَّر العدن بقوله خُلد، بضم الخاء. قال الجوهريُّ

ج 27 ص 416

الخلد دوام البقاء، تقول خلد الرَّجل يخلدُ خلودًا، وأخلدَهُ الله إخلادًا، وخلَّده الله تخليدًا (عَدَنْتُ بِأَرْضٍ) أي (أَقَمْتُ) بها، أشار بها إلى أنَّ معنى العدن الإقامة، يقال عَدَنَ بالبلد أقام به، وهو من كلام أبي عبيدة، وقال الرَّاغب معنى قوله {جنَّات عدنٍ} ؛ أي الاستقرار، وعَدَنَ بمكان كذا إذا استقرَّ به.

(وَمِنْهُ الْمَعْدِنُ) أي ومن هذا الباب المعدن الَّذي يُستخرج منه جواهر الأرض كالذَّهب والفضَّة والنُّحاس والحديد وغير ذلك؛ لكونه مكان استقرارها ( {فِي مَعْدِنِ صِدْقٍ} ) بكسر دال معدِن؛ أي (فِي مَنْبِتِ صِدْقٍ) كذا في رواية الأكثر، وفي رواية أبي ذرٍّ وهو وهمٌ. وكان سبب الوهم أنَّه لمَّا رأى أنَّ الكلام في صفة الجنَّة، وأنَّ من أوصافها مقعد صدقٍ، كما في آخر سورة القمر {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ} أي في بساتين {وَنَهَرٍ} [القمر 54] ؛ أي وأنهار، وإنَّما وحَّد لأجل رؤوس الآي، وقال الضَّحاك أي في ضياءٍ وسعةٍ، ومنه النَّهار.

{فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ} [القمر 55] قال الثَّعلبي معنى {مقعد صدقٍ} مجلس، حقٍّ لا لغو فيه ولا تأثيم وهو الجنَّة، فظنُّه هنا كذلك، وقد ذكره أبو عبيدة بلفظ «معدن صدقٍ» . وأنشد الأعشى

~وَإِنْ يَسْتَضِيفُوا إِلَى حِلْمِهِ يُضَافُوا إِلَى رَاجِحٍ قَدْ عَدَنَ

نعم قوله عزَّ وجلَّ {مَقْعَدِ صِدْقٍ} معناه مكان القعود، وهو يرجعُ إلى معنى المعدن، ولمَّح المصنِّف رحمه الله هنا بأسماء الجنَّة وهي عشرةٌ أو تزيد الفردوس وهو أعلاها، ودار السَّلام ودار المقام وجنَّة المأوى وجنَّة النَّعيم والمقام الأمين وعدن ومقعد صدقٍ والحسنى، وكلُّها في القرآن. وقال الله تعالى {وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ} [العنكبوت 64] فعدَّ بعضُهم في أسماء الجنَّة دار الحيوان، وفيه نظرٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت