وفي «المغرب» الحمى موضع الكلأ يُحمَى من النَّاس ولا يُرعَى ولا يُقرَب.
وفي «الصحاح» حميته حماية؛ أي دفعت عنه، وهذا شيءٌ حِمَى على فِعَل _ بكسر الفاء وفتح العين _؛ أي محظورٌ لا يقرب، فدل هذا على أنَّ لفظ حمى اسم غير مصدر وهو على وزن فِعَل _ بكسر الفاء وفتح العين _ بمعنى مفعول؛ أي محميٌّ محظور.
نعم يستعمل الحمى في مقام المصدر أيضًا فافهم
ج 11 ص 180
وهذا معناه اللغوي، وأمَّا معناه الاصطلاحيُّ فهو ما يحمي الإمام من الموات لمواشٍ بعينها، ويمنع سائرَ النَّاس من الرَّعي فيها.
قال الحافظُ العَسْقَلانيُّ وأصل الحمى عند العرب أنَّ الشريف منهم في الجاهلية كان إذا نزل أرضًا مُخصِبةً في حيِّه استعوى كلبًا على مكان عالٍ فإلى حيث انتهى صوته حمى بِداءَ عواءِ الكلبِ من كلِّ جانبٍ فلا يشركه فيه غيره، وهو يشرك القوم في سائر ما يرعى فيه.
وكذا قال ابنُ الأثير، وقال فنهى النَّبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وأضاف الحمى إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم؛ أي إلَّا ما يُحمَى للخيل الَّتي تُرصَد للجهاد، والإبل التي يُحمَل عليها في سبيل الله، وإبل الزكاة وغيرها كما حمى عمر بن الخطاب رضي الله عنه النَّقيع _ بالنون _ لنِعَم الصَّدقة والخيل المعدَّة في سبيل الله، انتهى.
وفيه أنَّ النقيع [1] على ما سيأتي حماه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنَّ الذي حماه عمر رضي الله عنه هو السرف والرَّبذة فتدبَّر، ثمَّ إنَّه قد قيل إنَّ الملوك والأشراف كانوا يحمون بما شاءوا فلم يحكِ أحدٌ أنَّهم كانوا يحمون بالكلب إلَّا ما نُقِلَ عن وائل بن ربيعة الثَّعلبي فغلب عليه اسم كُلَيب؛ لأنَّه حمى الحمى بعواءِ كلب كان يقطع يديه ويدعه وسط مكان يريده، فأيُّ موضعٍ بلغ عواؤه لا يقربه أحدٌ، وبسببه كانت حرب البسوس المشهورة.
وقال ابن بطَّال أصل الحِمَى المنع؛ يعني لا مانع لِمَا لا مالك له من الناس من أرض أو كلأ إلَّا الله ورسوله. وقال الشافعيُّ رحمه الله يحتمل هذا الحديث معنيين أحدهما ليس لأحدٍ أن يحمِي للمسلمين إلَّا ما حماه النَّبي صلى الله عليه وسلم.
والآخر ليس لأحدٍ أن يحمي إلَّا على مثل ما حماه النَّبي صلى الله عليه وسلم، فعلى الأول ليس لأحدٍ من الولاة بعده صلى الله عليه وسلم أن يحمي، وعلى الثَّاني يختصُّ الحمى بمَنْ قام مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الخليفة خاصَّةً، وأخذ أصحاب الشافعيِّ من هذا أنَّ له في المسألة قولين والراجح عندهم الثاني، والأوَّل أقرب إلى ظاهر اللَّفظ، ولكن رجَّحوا الثاني بما سيأتي أن عمر رضي الله عنه حمى بعد النَّبي صلى الله عليه وسلم، وسيأتي لذلك مزيدٌ إن شاء الملك العزيز الحميد.
ج 11 ص 181
[1] في هامش الأصل وجه التدبر أن النقيع الذي حماه عمر رضي الله عنه غير النقيع الذي حماهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سيأتي. منه.