57 - (بابُ فَضْلِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ) والمراد من الاتباع أن يتَّبع الجنازة ويصلِّي عليها، وليس المراد أن يتَّبع ثمَّ ينصرف بغير صلاة، وذلك لأنَّ الاتباع إنَّما هو وسيلة إلى أحد المقصودَين من الصَّلاة والدَّفن، فإذا تجرَّدت الوسيلة عن المقصود لم يحصل المترتب على المقصود، وإن كان يرجى أن يحصل لفاعل ذلك فضل ما بحسب نيته.
وقد روى سعيدُ بن منصور من طريق مجاهد قال (( اتِّباع الجنازة أفضل النَّوافل ) ). وفي رواية عبد الرَّزَّاق عنه (( اتِّباع الجنازة أفضلُ من صلاة التَّطوع ) ).
وقال الزَّين ابن المُنيِّر ما حاصله إنَّ المراد من التَّرجمة إثبات الأجر، والتَّرغيب فيه لا تعيين الحكم؛ لأنَّ الاتِّباع من الواجبات على الكفاية، فالمراد بالفضل ذلك، لا قسيمُ الواجب، وأجمل لفظ الاتباع تبعًا للفظ الحديث الذي أورده، إلَّا أنَّ القيراط لا يحصل إلَّا لمن اتَّبع وصلَّى، أو اتَّبع وشيَّع وحضر الدَّفن، لا لمن اتبع مثلًا وشيَّع ثمَّ انصرف بغير صلاة وحضور دفنه، ولذلك صدر التَّرجمة بقول زيد بن ثابت رضي الله عنه فقال
(وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ) أي ابن الضَّحاك بن زيد الأنصاري النجاري أبو خارجة المدني، قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهو ابن إحدى عشرة سنة، وكان يكتبُ الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكان من فضلاء الصَّحابة، ومن أصحاب الفتوى وهو الذي قال فيه رسول الله صلَّى الله تعالى عليه وسلم (( أفرضُكم زيد ) )توفِّي بالمدينة سنة خمس وأربعين.
(إِذَا صَلَّيْتَ) أي على الجنازة (فَقَدْ قَضَيْتَ الَّذِي عَلَيْكَ) من حقِّ الميِّت من الواجب الذي هو على الكفاية. وهذا التَّعليق وصله سعيد بن منصور من طريق عروة عنه بلفظ (( إذا صلَّيت على جنازة فقد قضيتَ ما عليك ) ).
ووصله ابنُ أبي شيبة من هذا الوجه بلفظ (( إذا صلَّيتم على الجنازة فقد قضيتُم ما عليكم فخلُّوا بينها وبين أهلها ) )وكذا أخرجه عبد الرَّزَّاق بلفظ الإفراد، ومعناه فقد قضيت حقَّ الميِّت، فإن أردت الاتباع فلك زيادة أجر.
(وَقَالَ حُمَيْدُ بْنُ هِلاَلٍ)
ج 6 ص 378
بضم الحاء المهملة البصري التَّابعي، وقد مرَّ في باب «يردُّ المصلِّي من مرَّ بين يديه» [خ¦509] (مَا عَلِمْنَا عَلَى الْجَنَازَةِ إِذْنًا) بكسر الهمزة؛ أي ما ثبت عندنا أنَّه يؤذن على الجنازة من أوليائها للانصراف بعد الصَّلاة.
(وَلَكِنْ مَنْ صَلَّى ثُمَّ رَجَعَ فَلَهُ قِيرَاطٌ) أي نصيب من الأجر، وسيجيء تحقيق القيراط إن شاء الله تعالى [خ¦1323] .
وحاصل هذا التَّعليق أنَّ الصَّلاة على الجنازة حق الميِّت ولابتغاء الفضل، وليس للأولياء فيها حقٌّ حتَّى يتوقف الانصراف بعد الصَّلاة على الإذن.
وفي هذا الباب اختلاف فروي عن زيد بن ثابت وجابر بن عبد الله رضي الله عنهما وعروة بن الزُّبير والقاسم بن محمَّد والحسن وقتادة وابن سيرين وأبي قلابة أنَّهم كانوا ينصرفون بعد الصَّلاة، ولا يستأذنون، وهو قول الشَّافعي وجماعة من العلماء.
وقالت طائفة لا بدَّ من الإذن في ذلك، وروي عن عمر وابن مسعود وابن عمر وأبي هريرة والمسور بن مخرمة رضي الله عنهم. وكذا عن النَّخعي أنَّهم كانوا لا ينصرفون حتَّى يستأذنون.
وروى ابن عبد الحكم عن مالك قال لا يجب لمن شهد جنازة أن ينصرف عنها حتَّى يؤذن له إلَّا أن يطول ذلك.
قال الحافظ العسقلاني وكأنَّ البخاري أراد الرَّد على ما أخرجه عبد الرَّزَّاق من طريق عمرو بن شعيب عن أبي هريرة رضي الله عنه قال (( أميران وليسا بأميرين الرَّجل يكون مع الجنازة يصلِّي عليها فليس له أن يرجع حتَّى يستأذن وليها ... ) )الحديث وهذا منقطع موقوف. وقد ورد مثله مرفوعًا من حديث جابر رضي الله عنه أخرجه البزَّار بإسناد فيه مقال. وأخرجه العقيلي في «الضُّعفاء» من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
وروى أحمد من طريق عبد الله بن هرمز، عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا (( من تبع جنازة فحمل من علوِّها وحثا في قبرها وقعد حتَّى يؤذن له رجع بقيراطين ) )وإسناده ضعيف انتهى.
وقال أيضًا
لم أرَ هذا التَّعليق موصولًا.