6 - (باب عُمْرَةِ التَّنْعِيمِ) هو تفعيلٌ بفتح المثناة الفوقية وسكون النون وكسر العين المهملة، موضعٌ على ثلاثة أميالٍ أو أربعة من مكَّة إلى جهة المدينة، كما نقله الفاكهيُّ، أقرب أطراف الحلِّ إلى البيت، سمِّي به؛ لأنَّ على يمينه جبل نعيم، وعلى يساره جبل ناعم، والوادي اسمه نعمان، قاله في «القاموس» .
وقال المحبُّ الطَّبري في «تحصيل المرام» هو أمام أدنى الحلِّ وليس بطَرَفِ الحِلِّ بل بينهما نحو من ميل، ومَن فسَّره بذلك فقد تجوَّز، وأطلق اسم الشَّيء على ما قرب منه. انتهى.
وروى الأزرقيُّ من طريق ابن جريج قال رأيتُ عطاء يصف الموضع الذي اعتمرت منه عائشة رضي الله عنها قال فأشار إلى الموضع الذي ابتنى فيه محمَّد بن علي بن شافع المسجد الذي وراء الأكمة، وهو المسجد الخرب.
ونقل الفاكهيُّ عن ابن جريجٍ وغيره أنَّ ثمة مسجدين يزعم أهل مكَّة أنَّ الخرب الأدنى من الحرم هو الذي اعتمرت منه عائشة رضي الله عنها، وقيل هو المسجد الأبعد على الأكمة الحمراء، ورجَّحه المحبُّ الطَّبري.
وقال الفاكهيُّ لا أعلم إلَّا أنِّي سمعت ابن أبي عمر يذكر عن أشياخه أنَّ الأوَّل هو الصَّحيح عندهم، وهو أفضل مواقيت العمرة بعد الجِعرانة عند الأربعة إلَّا أبا حنيفة رحمه الله، والمراد من هذه الترجمة أنَّ العمرة من التَّنعيم هل تتعيَّن لمن كان بمكَّة أولًا؟ وإذا لم تتعيَّن هل لها فضلٌ على الاعتمار من غيرها من جهات الحلِّ أولًا؟
قال صاحب «الهدي» لم ينقل أنَّه صلى الله عليه وسلم اعتمر مدَّة إقامته بمكَّة قبل الهجرة ولا اعتمر بعد الهجرة إلَّا داخلًا إلى مكَّة ولم يعتمر قط خارجًا من مكَّة إلى الحلِّ، ثمَّ يدخل مكَّة بعمرة كما يفعل النَّاس اليوم.
ولا يثبت عن أحدٍ من الصَّحابة رضي الله عنهم أنَّه فعل ذلك في حياته صلى الله عليه وسلم إلَّا عائشة رضي الله عنها وحدها. انتهى.
وبعد أن فعلته عائشة رضي الله عنها بأمره صلى الله عليه وسلم دلَّ على مشروعيَّته، ثمَّ إنَّهم اختلفوا؛ هل يتعيَّن التَّنعيم لمن اعتمر من مكَّة؟
فروى الفاكهيُّ وغيره من طريق محمَّد بن سيرين قال بلغنا أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقَّت لأهل مكَّة التَّنعيم، ومن طريق عطاء قال من أراد العمرة ممَّن هو من أهل مكَّة أو غيرها فليخرج إلى التَّنعيم أو إلى الجِعرانة فليُحْرِم منها،
ج 8 ص 407
وأفضل ذلك أن يأتي وقْتًا؛ أي ميقاتًا من مواقيت الحجِّ.
وقال الطَّحاوي ذهب قومٌ إلى أنَّه لا ميقات للعمرة لمن كان بمكَّة إلَّا التَّنعيم، فلا ينبغي مجاوزته كما لا ينبغي مجاوزة المواقيت التي للحجِّ، وخالفهم آخرون فقالوا ميقات العمرة الحِلُّ، فمن أيِّ الحلِّ أحْرَمُوا أجزأَهم ذلك، والتَّنعيم وغيرُه عندهم سواءٌ، وإنَّما أمر النَّبي صلى الله عليه وسلم عائشة رضي الله عنها بالإحرام من التَّنعيم؛ لأنَّه كان أقرب الحلِّ من مكَّة، لا أن غيره لا يجزئ.
وقد رُوِيَ من حديث عائشة رضي الله عنها أنَّه صلى الله عليه وسلم قال لعبد الرَّحمن (( احمل أختك فأخرجها من الحرم ) )قالت (( والله ما ذَكَرَ الجِعرانة ولا التَّنعيم، فكان أدناها من الحرم التَّنعيم، فاعتمرتُ منه، فأخبرتْ أنَّه صلى الله عليه وسلم لم يقصدْ إلَّا الحلَّ لا موضعًا معينًا، وقصد التَّنعيم لقربه، فثَبَتَ أنَّ وقت أهل مكة لعمرتهم هو الحِلُّ، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والشَّافعي ) ).
وقد استدلَّ بحديث الباب على أنَّ أفضل جهات الحلِّ التَّنعيم.
ورُدَّ بأنَّ إحرام عائشة رضي الله عنها من التَّنعيم إنَّما وقع لكونه أقرب جهات الحِلِّ إلى الحرم، كما مرَّ آنفًا لا أنَّه الأفضل.
وسيأتي ما يتعلَّق بذلك في حديث الباب إن شاء الله تعالى، وفي «التوضيح» ويجزئ أقلُّ الحلِّ وهو التَّنعيم، وأفضله عندنا الجِعرانة، ثمَّ التَّنعيم، ثمَّ الحديبية، والله أعلم.