(باب فَضَائِلِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي بطريق الإجمال، ثم التفصيل، فأمَّا الإجمال فيشملُ جميعهم لكنَّه اقتصر فيه على شيء ممَّا يوافق شرطه، وأمَّا التفصيل فلمن ورد فيه شيءٌ بخصوصه على شرطه. وقد سقط لفظ «باب» من رواية أبي ذرٍّ وحدَه، ثمَّ الفضائل جمع الفضيلة وهي خلافُ النَّقيصة، كما أنَّ الفضل
ج 16 ص 190
ضدُّ النَّقص، والفضل في اللُّغة الزِّيادة من فَضَل يَفْضُل من باب نَصَر يَنْصُر. وفيه لغةٌ أخرى فَضِل يَفْضَل من باب علم يعلم، حكاها ابن السِّكيت. وفيه لغةٌ ثالثة مركَّبة منهما فَضِل _ بالكسر _ يَفْضُل _ بالضم _، وهو شاذٌّ لا نظيرَ له.
وقال سيبويه هذا عند أصحابنا إنما يجيءُ على لغتين. وفي بعض النسخ .
والمراد بالفضائل الخصائل الحميدة، والخلال المرضيَّة المشكورة، والأصحاب جمع صحب، مثل فرخ وأفراخ. قال الجوهري والصَّحابة _ بالفتح _ الأصحاب، وهي في الأصل مصدر، وجمع الأصحاب أصاحيب، من صحبه يصحبه صُحبة _ بالضم _، وصَحابة _ بالفتح _ وجمع الصاحب صَحب، مثل راكب وركب، وصُحبة _ بالضم _ مثل فاره وفُرهة، وصِحاب مثل جائع وجِياع، وصُحْبان مثل شاب وشبان.
(وَمَنْ صَحِبَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ رَآهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَهْوَ مِنْ أَصْحَابِهِ) أشار بهذا إلى تعريف الصَّحابي وفيه أقوال
الأول ما أشار إليه البخاري بقوله ومن صحب ... إلى آخره. قال الكرمانيُّ يعني أن الصَّحابي مسلم صحب النَّبي صلى الله عليه وسلم، أو رآهُ وضمير المفعول للنَّبي صلى الله عليه وسلم والفاعل للمسلم على المشهور الصَّحيح، ويحتمل العكس لأنهما متلازمان عرفًا. فإن قلت الترديد يُنافي التَّعريف. قلت التَّرديد في أقسام المحدود؛ يعني الصَّحابي قسمان لكلِّ منهما تعريف.
فإن قلت إذا صحبه فقد رآه. قلت لا يلزم ذلك إذ عَمرو بن أم مكتوم صَحابي اتِّفاقًا مع أنَّه لم يره، انتهى.
وقال العيني (( مَنْ ) )في محل الرفع على الابتداء، وهي موصولةٌ، و «صحب» صلتها. وقوله (( أو رآه ) )عطف عليه؛ أي أو رأى النَّبي صلى الله عليه وسلم الصَّاحب، ويحتمل العكس، كما قال الكرماني، لكن الأول أولى ليدخل فيه ابن أمِّ مكتوم. وقوله (( فهو من أصحابه ) )جملة في محلِّ الرفع على أنَّها خبر المبتدأ ودخول الفاء لتضمن المبتدأ
ج 16 ص 191
معنى الشَّرط، وقوله (( من المسلمين ) )قيدٌ ليخرج به من صَحبه، أو رآه من الكفَّار فإنَّه لا يسمَّى صحابيًا. قيل في كلام البخاريِّ نقصٌ يحتاج إلى ذكره وهو ثمَّ مات على الإسلام. والعبارة السَّالمة من الاعتراض أن يُقال الصَّحابي من لقي النَّبي صلى الله عليه وسلم مسلمًا، ثمَّ مات على الإسلام؛ ليخرج من ارتدَّ ومات كافرًا كابنِ خَطَل وربيعةَ بن أميَّة وغيرهما.
القول الثاني أنَّه من طالت صُحبته له وكثُرت مجالستُه مع طريق التَّبع له والأخذ عنه، هكذا حكاه أبو المظفَّر السَّمعاني عن الأصوليين.
وقال إنَّ اسم الصَّحابي يقع على ذلك من حيث اللُّغة، والظَّاهر أنَّ أهل الحديث يُطلقون اسم الصَّحابي على كلِّ من روى عنه حديثًا، أو كلمة ويتوسَّعون حتى يعدُّون من رآهُ رؤية من الصَّحابة.
ومن ارتدَّ ثمَّ عاد إلى الإسلام لكن لم يره ثانيًا بعد عوده فالصَّحيح أنَّه معدود في الصَّحابة لإطباق المحدِّثين على عدِّ الأشعث بن قيس ونحوه ممَّن وقع له ذلك وإخراجهم أحاديثهم في المسانيد.
وقال الآمديُّ الأشبه أنَّ الصَّحابي من رآه، وحكاهُ عن أحمد وأكثر أصحاب الشَّافعي، واختارهُ ابنُ الحاجب أيضًا؛ لأنَّ الصُّحبة تعم القليل والكثير.
وفي كلام أبي زُرعة الرَّازي وأبي داود ما يقتضِي أن الصُّحبة أخص من الرُّؤية فإنهما قالا في طارق بن شهاب له رؤيةٌ وليست له صُحبة. ويدلُّ على ذلك ما رواه محمد بن سعد في «الطبقات» عن علي بن محمد عن شعبة عن موسى السَّبلاني قال أتيتُ أنس بن مالك رضي الله عنه فقلتُ أنت آخر من بقيَ من أصحابِ رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال قد بقيَ قوم من الأعراب، فأمَّا من أصحابه فأنا آخر من بقيَ.
قال ابن الصلاح إسناده جيدٌ.
ج 16 ص 192
القول الثالث ما رُوِي عن سعيد بن المسيب أنَّه كان لا يعدُّ الصَّحابي إلَّا من أقام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة أو سنتين، وغزا معه غزوة أو غزوتين. وهذا فيه ضيقٌ يُوجب أن لا يَعُدَّ من الصَّحابة جرير بن عبد الله البجلي، ومن شاركه، في فقد ظاهر ما اشترطه فيهم ممَّن لا نعلم خلافًا في عده من الصحابة.
وقال الشيخ زين الدين العراقي هذا عن ابن المسيب لا يصحُّ لأنَّ في إسناده محمد بن عمر الواقدي وهو ضعيفٌ في الحديث.
القول الرابع أنَّه يشترط مع طول الصُّحبة الأخذ عنه حكاه الآمدي عن عَمرو بن بحر أبي عثمان الجاحظ من أئمة المعتزلة، قال فيه ثعلب إنَّه غير ثقة، ولا مأمون، ولا يوجد هذا القول لغيره.
القول الخامس أنَّه من رآه مسلمًا بالغًا عاقلًا، حكاه الواقدي عن أهل العلم والتَّقييد بالبلوغ شاذٌّ، وقد مرَّ عن قريب [1] .
القول السادس أنَّه من أدرك زمنه صلى الله عليه وسلم وهو مسلمٌ وإن لم يره، وهو قول يحيى بن عثمان المصري فإنَّه قال فيمن دفن _ أي بمصر _ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ممَّن أدركه ولم يسمع منه أبو تميم الجيشاني، واسمه عبد الله بن مالك، انتهى.
وإنما هاجرَ أبو تميم إلى المدينة في خلافة عمر رضي الله عنه باتِّفاق أهل السِّير. وممَّن حكى هذا القول من الأصوليين القَرافي في «شرح التنقيح» ، وكذلك إن كان صغيرًا محكومًا بإسلامهِ تبعًا لأحد أبويه.
هذا وقال الحافظ العسقلاني في قول البخاري ومن صحب النَّبي صلى الله عليه وسلم ... إلى آخره يعني أن اسم الصُّحبة يُستَحقُّ لمن صحبه صلى الله عليه وسلم أقل ما يُطلق عليه اسم الصُّحبة وإن كان العرف يخصُّ ذلك ببعض الملازمة، ويُطلَق أيضًا على من رآه رؤية ولو على بعدٍ، وهذا الذي ذكره البخاري هو الرَّاجح إلَّا أنه هل يشترط في
ج 16 ص 193
الرائي أن يكون بحيث يميز ما رآه، أو يكتفي بمجرَّد حصول الرؤية، محلُّ نظر.
وعَمَلُ من صنَّف في الصَّحابة يدلُّ على الثاني، فإنَّهم ذكروا مثل محمد بن أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنهما في الصَّحابة، وإنما ولد قبلَ وفاة النَّبي صلى الله عليه وسلم بثلاثة أشهر وأيام، كما ثبت في «الصحيح» أنَّ أمه أسماء ولدته في حجَّة الوداع قبل أن يدخلوا مكَّة وذلك في أواخر ذي القعدة سنة عشر من الهجرة.
ومع ذلك فأحاديثُ هذا الضَّرب مراسيل، والخلاف الجاري بين الجمهور وبين أبي إسحاق الإسفرايني ومن وافقه على ردِّ المراسيل مطلقًا حتى مراسيل الصَّحابة لا تجري في أحاديث هؤلاء؛ لأنَّ أحاديثهم من قبيل مراسيل كبار التَّابعين لا من قبيل مراسيل الصَّحابة الذين سمعوا من النَّبي صلى الله عليه وسلم.
وهذا مما يلغز به فيقال صحابي حديثه مرسلٌ لا يقبله من يقبل مراسيل الصَّحابة.
ومنهم من بالغ فكان لا يَعُدُّ في الصحابة إلَّا من صحب الصحبة العرفية، كما جاء عن عاصم الأحول قال رأى عبدُ الله بن سَرْجس رسولَ الله صلى الله عليه وسلم غير أنَّه لم يكن له صُحبة. أخرجه أحمد.
هذا مع كون عاصم قد روى عن عبد الله بن سرجس هذا عدَّة أحاديث وهي عند مسلم وأصحاب السنن وأكثرها من رواية عاصم عنه، ومن جملتها قوله إنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم استغفرَ له. فهذا رأي عاصمٍ أن الصَّحابي من يكون صحب الصُّحبة العرفية، وكذا روي عن سعيد بن المسيب أنَّه كان لا يعدُّ في الصَّحابة إلَّا من أقام مع النَّبي صلى الله عليه وسلم سنة فصاعدًا، أو غزا معه غزوة فصاعدًا.
والعمل على خلاف هذا القول لأنَّهم اتفقوا على عدِّ جمع في الصَّحابة لم يجتمعوا بالنَّبي صلى الله عليه وسلم إلَّا في حجَّة الوداع، ومن اشترطَ الصُّحبة العرفية أخرج مَنْ له رؤية، أو من اجتمعَ به لكن فارقَه عن قريبٍ، كما جاء عن أنس رضي الله عنه أنَّه قيل له بقيَ من أصحاب النَّبي صلى الله عليه وسلم قال لا، مع أنَّه كان في ذلك الوقت عدد كثير
ج 16 ص 194
ممَّن لقيه من الأعراب.
ومنهم من اشترطَ في ذلك أن يكون حين اجتماعهِ به بالغًا وهو مردودٌ أيضًا؛ لأنَّه يخرج مثل الحسن بن عليٍّ رضي الله عنهما، ونحوه من أحداث الصَّحابة.
والذي جزمَ به البخاريُّ هو قولُ أحمد والجمهورُ من المحدِّثين، وقد تقدَّم أنَّ قوله (( من المسلمين ) )قيد يخرج به من صحبه أو رآه من الكفَّار، فأمَّا من أسلم بعد موته منهم فإن كان قوله (( من المسلمين ) )حالًا خرج من هذه صفته وهو المعتمد.
ويَرِدُ على التَّعريف من صحبه ورآهُ مؤمنًا به، ثمَّ ارتدَّ بعد ذلك ولم يعد إلى الإسلام فإنَّه ليس صحابيًا اتِّفاقًا فينبغي أن يزادَ فيه ومات على ذلك.
وقد وقع في «مسند أحمد» حديث ربيعةَ بن أميَّة بن خلف الجُمحي وهو ممَّن أسلم في الفتح وشهد مع النَّبي صلى الله عليه وسلم حجَّة الوداع وحدَّث عنه بعد موته، ثم لحقَه الخذلان فلحقَ في خلافة عمر رضي الله عنه بالرُّوم وتنصَّر بسبب شيءٍ أغضبَه.
وإخراج حديث مثل هذا مشكلٌ، ولعلَّ من أخرجه لم يقف على قصَّة ارتداده، والله تعالى أعلم، فلو ارتدَّ، ثم عاد إلى الإسلام لكن لم يره ثانيًا بعد عوده فالصَّحيح أنَّه معدودٌ في الصَّحابة، كما مرَّ آنفًا.
وهل يختص جميع ذلك ببني آدم أم يعم غيرهم من العقلاء؟ فهو محلُّ نظر، أمَّا الجن فالرَّاجح دخولهم؛ لأنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم بعث إليهم قطعًا وهم مكلَّفون وفيهم العُصاة والطَّائعون فمن عُرِف اسمه منهم لا ينبغِي التَّردد في ذكره في الصَّحابة، وإن كان ابن الأثير عابَ ذلك على أبي موسى فلم يستندْ في ذلك إلى حجَّة.
وأمَّا الملائكة فيَتوقَّف عدهم فيهم على ثبوت بعثه إليهم، فإن فيه خلافًا بين الأصوليين، حتى نقل بعضهم الإجماع على ثبوته، وعَكَسَ بعضُهم، وهذا كله فيمن رآه وهو في قيد الحياة الدُّنياوية، أمَّا من رآه بعد موته وقبل دفنهِ فالرَّاجح أنَّه ليس صحابيًا وإلَّا يُعدُّ من اتَّفق أن يرى جسده المكرم، وهو في قبره المعظَّم ولو في هذه الأعصار، وكذلك من كشف له عنه
ج 16 ص 195
من الأولياء فرآه كذلك على طريق الكرامة إذ حجَّة من أثبت الصُّحبة لمن رآه قبل دفنه أنَّه مستمر الحياة، وهذه الحياة ليست دنيوية، وإنَّما هي أخروية لا تتعلَّق بها أحكام الدنيا، فإنَّ الشُّهداء أحياء ومع ذلك فإنَّ الأحكام المتعلِّقة بهم بعد القتل جاريةٌ على أحكام غيرهم من الموتى، والله تعالى أعلم.
وكذلك المراد بهذه الرُّؤية لمن اتَّفقت له ممَّن تقدَّم شرحه وهو يقظان، أمَّا من رآه في المنام وإن كان قد رآه حقًّا، فذلك فيما يرجع إلى الأمور المعنوية لا الأحكام الدُّنيوية، فلذلك لا يعدُّ صحابيًا ولا يجبُ عليه أن يعملَ بما أمره به في تلك الحالة.
فائدة وتعرف الصُّحبة إمَّا بالتواتر كأبي بكر وعمر رضي الله عنهما وبقيَّة العشرة في خلق منهم رضي الله عنهم، وإمَّا بالاستفاضة والشُّهرة القاصرة عن التَّواتر كعكاشة بن محصن، وضمام بن ثعلبة وغيرهما، وإمَّا بإخبار بعض الصَّحابة عنه أنَّه صحابي كحُمَمة بن أبي حُمَمة الدَّوسي الذي مات بأصبهان مبطونًا فشهد له أبو موسى الأشعري رضي الله عنه أنَّه سمع النَّبي صلى الله عليه وسلم وحكم له بالشَّهادة، ذكر ذلك أبو نُعيم في «تاريخ أصبهان» ، وإمَّا بإخباره عن نفسه أنه صحابي بعد ثبوت عدالته قبل إخباره بذلك، هكذا أطلق ابن الصَّلاح تبعًا للخطيب.
وقال الشَّيخ زين الدين العراقي لا بدَّ من تقييد ما أطلق من ذلك بأن يكون ادِّعاؤه لذلك يقتضيهِ الظَّاهر، أمَّا لو ادَّعاه بعد مضيِّ مائة سنة من حين وفاته صلى الله عليه وسلم فإنَّه لا يُقبل وإن كانت قد ثبتت عدالتُه قبل ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصَّحيح (( أرأيتُم ليلتكم هذه فإنه على رأس مائة سنةٍ لا يبقى على وجه الأرض ممَّن هو عليها اليوم أحدٌ ) ) [خ¦116] يريد انخزامَ ذلك القرن؟ كان ذلك في سنة وفاته صلى الله عليه وسلم، وقد اشترط الأصوليون في قبول ذلك منه أن يكون عُرِفت معاصرته للنَّبي صلى الله عليه وسلم،
ج 16 ص 196
قال الآمدي فلو قال من عاصره أنا صحابي مع إسلامه وعدالته، فالظاهر صدقه، والله تعالى أعلم.
[1] لم يمر من قبل ونقله المؤلف هنا من الفتح، ولكنه قدّم وأخّر فيه وسيأتي القول في ذلك بعد ورقة كاملة، انظر فتح الباري 16/ 169.