2439 - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) المعروف بابن راهويه، قال (أَخْبَرَنَا النَّضْرُ) بسكون الضاد المعجمة، هو ابن شُمَيل مصغَّر شمل، قال (أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ) هو ابن يونس بن أبي إسحاق (عَنْ) جدِّه (أَبِي إِسْحَاقَ)
ج 11 ص 319
عمرو بن عبد الله السَّبيعي.
(قَالَ أَخْبَرَنِي الْبَرَاءُ) أي ابن عازبٍ (عَنْ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما ح) تحويلٌ من سندٍ إلى سندٍ آخر (وَحَدَّثَنَا) الأَوْلى في مثل هذا المقام ترك الواو (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ) بالمد، هو ابن المثنى الغُدَاني _ بضم المعجمة وتخفيف المهملة وبالنون _ أبو عمرو البصريُّ، مات سنة تسع عشرة ومائتين قال (حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما) أنَّه (قَالَ انْطَلَقْتُ) أي حين كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قاصدين الهجرة إلى المدينة (فَإِذَا أَنَا بِرَاعِي غَنَمٍ يَسُوقُ غَنَمَهُ) جملة حاليَّة (فَقُلْتُ لِمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَسَمَّاهُ، فَعَرَفْتُهُ، فَقُلْتُ هَلْ فِي غَنَمِكَ مِنْ لَبَنٍ؟) بفتح الموحدة في رواية الأكثرين، وحكى القاضي عياض رواية ضم اللام وسكون الموحدة؛ أي شاة ذات لبن، كذا قال الحافظ العسقلانيُّ.
وتعقَّبه العينيُّ بأنَّه ليس كذلك، وإنَّما اللُّبْن _ بضم اللام وسكون الموحدة _ جمع لبنة، وكذلك لِبن _ بكسر اللام _. وعن يونس يُقال كم لُبن غنمك ولِبن غنمك؛ أي ذوات الدَّرِّ منها.
(فَقَالَ نَعَمْ، فَقُلْتُ هَلْ أَنْتَ حَالِبٌ لِي، قَالَ نَعَمْ، فَأَمَرْتُهُ) أي بالاعتقال وهو الإمساك، يُقال اعتقلت الشَّاة، إذا وضعت رجليها بين فخذيك أو ساقيك لتحلبها.
(فَاعْتَقَلَ شَاةً مِنْ غَنَمِهِ، ثُمَّ أَمَرْتُهُ أَنْ يَنْفُضَ ضَرْعَهَا مِنَ الْغُبَارِ، ثُمَّ أَمَرْتُهُ أَنْ يَنْفُضَ كَفَّيْهِ فَقَالَ هَكَذَا ضَرَبَ إِحْدَى كَفَّيْهِ بِالأُخْرَى فَحَلَبَ كُثْبَةً) بضم الكاف وسكون المثلثة وفتح الموحدة، وهي قدر حلبة، وقيل القليل منه، وقيل هي القدح من اللَّبن.
(مِنْ لَبَنٍ، وَقَدْ جَعَلْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِدَاوَةً) هي الركوة (عَلَى فَمِهَا خِرْقَةٌ فَصَبَبْتُ عَلَى اللَّبَنِ حَتَّى بَرَدَ أَسْفَلُهُ، فَانْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ اشْرَبْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ) .
وفي الحديث من الفوائد استصحاب الإدواة في السَّفر، وخدمة التَّابع للمتبوعِ بما يجب أن يتمثَّل لكلِّ عالمٍ وإمامٍ عادلٍ، وفيه من التَّأدب والتَّنظيف ما صنعه أبو بكرٍ رضي الله عنه من نفض يد الرَّاعي ونفض الضرع.
وقال ابن بطَّال سألتُ بعض شيوخي عن
ج 11 ص 320
وجه استجازة الصَّدِّيق لشرب اللَّبن من ذلك الرَّاعي فقال لي يحتمل أن يكون الشَّارع قد أُذِنَ له في الحرب، وكانت أموال المشركين له حلالًا، فعرضته على المهلَّب، فقال لي ليس هذا بشيءٍ؛ لأنَّ الحرب والجهاد إنَّما فرض بالمدينة، وكذلك المغانم إنَّما نزل تحليلها يوم بدر بنصِّ القرآن، ولو كان أبو بكرٍ رضي الله عنه أخذه على أنَّه مال حربيٌّ لم يستفهمْ الرَّاعي هل يحلب أو لا؟ ولكان ساق الغنمَ وقتل الرَّاعي أو أسره، قال ولكنَّه كان بالمعنى المتعارف، والعادة عندهم في ذلك الوقت على سبيل المكارمة، أو كان صاحب الغنم قد أذن للرَّاعي أن يسقيَ من مرَّ به من الضَّيف، كالمرأة تُعطي اللُّقمة من مال زوجها.
وقيل يحتمل أن يكون صاحب الغنم صَديقُ الصِّدِّيق رضي الله عنه، أو كان حالهما حال اضطرارٍ، أو من جهة أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم أولى بالمؤمنين، والله أعلم.
ثمَّ وجه إدخال الحديث في الباب أو كونه كالفصل منه من حيث إنَّ فيه شرب النَّبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكرٍ رضي الله عنه من لبن الشَّاة التي وجدت مع راعٍ واحدٍ في الصَّحراء، فهو في حكم الضَّائع، إذ ليس مع الغنم سوى راعٍ واحدٍ، فالفاضل عن شربه مستهلكٌ، فهو كالسَّوط أو الحبل أو نحوهما الذي يباح التقاطه، وغاية أحواله أن تكون كالشَّاة الملتقطةِ في الضَّيعة، وقد قال صلى الله عليه وسلم فيها (( هي لك أو لأخيكَ أو للذِّئب ) )، كذا قال ابن المُنيِّر.
والحديث أخرجه المؤلِّف في «علامات النبوة» [خ¦3615] و «الهجرة» [خ¦3908] و «الأشربة» أيضًا [خ¦5607] ، وأخرجه مسلم في آخر الكتاب وفي «الأشربة» .
خاتمة اشتمل كتاب اللُّقطة من الأحاديث المرفوعة على أحد وعشرين حديثًا، المعلَّق منها خمسة والبقيَّة موصولةٌ، المكرَّر منها فيه وفيما مضى ثمانية عشر حديثًا، والخالص ثلاثة وافقه مسلمٌ على تخريجها.
وفيه من الآثار أثرٌ واحدٌ ليزيد مولى المنبعث، والله تعالى أعلم.