2864 - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) هو ابنُ سعيد، قال (حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ يُوسُفَ) الأنماطيُّ البصريُّ (عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمر بن عبد الله السبيعي، أنَّه قال (قَالَ رَجُلٌ لِلْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ) وفي رواية (أَفَرَرْتُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ حُنَيْنٍ) قال الواقديُّ حنين وادٍ بينه وبين مكَّة ثلاث ليالٍ قرب الطائف.
وقال البكريُّ بضعة عشر ميلًا، والأغلب فيه التَّذكير؛ لأنَّه اسم، وربَّما أنَّثته العرب؛ جعلته اسمًا للبقعة، وهو وراء عرفات، سمِّي بحنين بن قانية بن مهلاييل.
وقال الزمخشريُّ هو إلى جنب ذي المَجَاز، وكانت سنة ثمان، وسببها أنَّه لمَّا سمعت هوازن بفتح مكَّة أشفقوا أن يغزوهم المصطفى صلى الله عليه وسلم وقالوا قد فرغ لنا، فلا ناهية له دوننا، فالرأي أن نغزوه، فجمعها مالك بن عوف النصري، بصاد مهملة، وكان عمره حينئذٍ ثلاثين سنة.
واجتمع عليه مع هوازن ثقيف كلها ومضر وجشم وسعد بن أبي بكر وناس من بني هلال حتَّى أتوا سوق ذي المَجَاز، فسار صلى الله عليه وسلم حتَّى أشرف على وادي حنين مساء ليلة الأحد نصف شوال. وقد قيل خرج لستٍّ خلون من شوال يوم السبت عامدًا إلى حنين معه ألفان من أهل مكَّة، وعشرة آلاف من الذين فتح الله بهم فكان ما أراد الله عزَّ وجلَّ.
(قَالَ) أي البراء رضي الله عنه (لَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَفِرَّ) وهذا هو المعلوم من حاله صلى الله عليه وسلم، وكذا حال الأنبياء عليهم السلام لإقدامهم وشجاعتهم وثقتهم بوعد الله عزَّ وجلَّ ورغبتهم في الشَّهادة، وفي لقاء الله عزَّ وجلَّ، ولم يثبت عن واحدٍ منهم، والعياذ بالله أنَّه فَرَّ، ومن قال ذلك قُتِلَ ولم يُسْتَتَبْ؛ لأنَّه صار بمنزلة من قال إنَّه صلى الله عليه وسلم كان أسودًا [1] وأعجميًا؛ لإنكاره ما علم من وصفه صلى الله عليه وسلم قَطْعًا، وذلك كفر.
قال القرطبيُّ وحكي عن بعض أصحابنا الإجماع على قتل
ج 13 ص 365
من أضاف إليه صلى الله عليه وسلم نقصًا أو عيبًا، وقيل يستتابُ فإن تاب وإلَّا قتل. قال ابن بطَّال لأنَّه كافرٌ إن لم يتأوَّل ويُعذر بتأويله. وقال النوويُّ والَّذين فرُّوا يومئذٍ إنَّما فتحه عليهم من كان في قلبه مرض من مسلمة الفتح المؤلفة، ومشركيها الذين لم يكونوا أسلموا والذين خرجوا لأجل الغنيمة، وإنَّما كانت هزيمتهم فجاءة.
فإن قيل ممَّ ذا هذا الاستدراك؟
فالجواب أنَّ تقديره فررنا، ولكنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفر، وحذف لقصد عدم التَّصريح بفرارهم، وكذلك التَّقدير في قوله فأمَّا رسول الله صلى الله عليه فلم يفرَّ؛ تقديره أمَّا نحن فقد فررنا، فأمَّا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يفرَّ.
(إِنَّ هَوَازِنَ) هم قبيلةٌ من قيس (كَانُوا قَوْمًا رُمَاةً) جمع رامٍ (وَإِنَّا لَمَّا لَقِينَاهُمْ حَمَلْنَا عَلَيْهِمْ فَانْهَزَمُوا، فَأَقْبَلَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْغَنَائِمِ وَاسْتَقْبَلُونَا) ويروى بالفاء (بِالسِّهَامِ فَأَمَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَفِرَّ، فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ وَإِنَّهُ لَعَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ) واختلف في هذه البغلة. ففي مسلم (( كانت بيضاء أهداها له فَرْوة ) )بفتح الفاء وسكون الراء، ابن نُفَاثَة، بضم النون وتخفيف الفاء وبالمثلثة، الجُذَامي، بضم الجيم وبالمعجمة، وفي لفظ (( كانت شهباء ) ). وفي رواية ابن سعد (( كان راكبًا دُلْدل التي أهداها المُقَوْقس ) ). فيحتمل أن يكون ركبهما يومئذ؛ نزل عن واحدةٍ وركب الأخرى، وركوبُه صلى الله عليه وسلم يومئذٍ البغلة هو النِّهاية في الشَّجاعة والثبات، لاسيَّما في نزوله عنها حيث رُوِيَ أنَّه نزل إلى الأرض حين غشوه، فهذا مبالغةٌ في الثبات، ولتطمئنَّ به قلوبُ المسلمين.
وقد رَوِيَ أنَّه كان يركض البغلة إلى جَمْعِ المشركين حين فرَّ النَّاس، وليس معه غير اثني عشر نفرًا، وكان العباس وأبو سفيان آخِذَين بلجام البغلة يكفَّانها عن الإسراع به إلى العدوِّ، وأبو سفيان هو ابنُ الحارث بن عبد المطلب ابن عمِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخوه من الرضاعة، قيل اسمه كنيته، وقيل اسمه المغيرة، وكان من فضلاء الصحابة، مات بالمدينة سنة عشرين.
(وَإِنَّ أَبَا سُفْيَانَ آخِذٌ بِلِجَامِهَا) ليكفَّها عن التقدُّم والإسراع إلى العدو لا لاعتقاد أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهزم حاشاه من ذلك، أجمع المسلمون على أنَّه صلى الله عليه وسلم لم ينهزم قط، بل، ولا يجوز ذلك عليه(وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
ج 13 ص 366
وَسَلَّمَ يَقُولُ أَنَا النَّبِيُّ لاَ كَذِبْ)أي أنا النَّبيُّ حقًّا لا أفرُّ ولا أزول كأنَّه قال أنا ليس بكاذبٍ فيما أقول، فيجوز عليَّ الانهزام.
وزعم ابن التين أنَّ بعض أهل العلم كان يرويه (( لا كذب ) )بنصب الباء ليخرجه عن الوزن، فيستغني عن التَّأويلات التي تقدَّمت في قوله (( هل أنت إلَّا إصبع دميتِ ) )في باب من يُنْكَب في سبيل الله.
(أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ) وإنما انتسب إلى جدِّه دون أبيه؛ لأنَّ شهرته بجده كانت أكثر؛ لأنَّ أباه عبد الله توفِّي شابًا في حياة عبد المطلب قبل اشتهاره، وكان عبد المطَّلب مشهورًا شهرةً ظاهرةً، وكان سيِّد أهل مكَّة، وكثير من النَّاس يدعونه ابن عبد المطَّلب، وكان مشهورًا عندهم أن عبد المطلب بشَّرَ به أنه سيظهر ويكون شأنه عظيمًا.
وقال الخطابيُّ إنَّه إشارةٌ إلى رؤيا كان رآها عبد المطلب وأخبر بها قريشًا وعبرت بأنَّه سيكون له ولدٌ يسود النَّاس ويهلك أعداؤه على يديه، وكان ذلك مشهورًا فيهم، فذكرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر تلك الرؤيا؛ ليقوى بذلك من كان انهزم من أصحابة فيرجعون ويعلمون أنْ سيكون الظفر في العاقبة له.
وقد يقال إنَّما أشار بذلك إلى خبرٍ كان متناقلًا على وجه الزمان أخبر به سيف بن ذي يزن، بفتح المثناة التحتية والزاي، عبدَ المطلب وقتَ وفادته إليه، في جماعةٍ من قريش، وهو أن يكون في ولده نبيٌّ، وكان ذلك مما يُنَاقِلُه أهل اليمن كابرًا عن كابر إلى أن بلغ سيفًا.
فيحتمل أن يكون ذلك وجه الافتخار بجدِّه، مع أنَّه قد نهى صلى الله عليه وسلم عن الافتخار بالآباء، ووجهٌ آخر وهو أن يكون الافتخار المنهيُّ عنه ما كان في غير جهاد الكفَّار، وقد رخَّص رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخيلاء في الحرب، مع نهيه عنها في غيرها؛ وذلك لأنَّه يرهب العدو، وقد كان صلى الله عليه وسلم نُصِرَ بالرُّعب مسيرة شهرٍ، فلما أخبر باسمه واسم جدِّه وأراهم مشهده ومقامه أَلْقَى الرعب في قلوبهم، وأعلمهم أيضًا أنَّه ثابتٌ
ج 13 ص 367
ملازمٌ للحرب وعرَّفهم موضعه ليرجع إليه الراجعون.
وفي الحديث جواز الأخذ بالشدَّة والتَّعرُّض للهلكة في سبيل الله؛ لأنَّ النَّاس فرُّوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبق إلَّا اثنا عشر رجلًا وهم عتبة ومعتب ابنا أبي لهب وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطَّلب وأبو بكر وعُمر وعلي والفضل بن عبَّاس وأسامة وقُثَم بن العبَّاس وأيمن بن أم أيمن، وقُتل يومئذٍ، وربيعة بن الحارث بن عبد المطلب وعقيل بن أبي طالب وأمُّ سليم أم أنس بن مالك من النساء.
فإن قيل الفرار من الزَّحف كبيرةٌ فكيف بمن انهزم هنا؟
فالجواب أنَّه قال الطبري الفرار المتوعَّد عليه هو أن ينوي أن لا يعود إذا وجد قوَّةً، وأمَّا من تحيَّز إلى فئة، أو كان فراره لكثرة عدد العدوِّ، أو نوى العود إذا أمكنه فليس داخلًا في الوعيد، ولهذا قال عزَّ وجل في هؤلاء {ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [التوبة 26] .
وفيه ركوب البغال في الحرب للإمام؛ ليكون أثبت، ولئلا يظن به الاستعداد للفرار والتولِّي، وهو من باب السياسة لنفوس الأتباع؛ لأنَّه إذا ثبت ثبتَ أتْباعُه، وإذا رئي منه العزم على الثَّبات عزم الأتباعُ معه عليه. وفيه خدمة السُّلطان وسياسة دوابه لأشراف الناس من قرابته وغيرهم.
ومطابقةُ الحديث للترجمة في قوله (( وأبو سفيان آخذٌ بلجامها ) )، والحديث أخرجه مسلمٌ أيضًا.
[1] كذا من عمدة القاري أيضًا، ولعل صوابها (أسودَ) ؛ لمنعها من الصرف.