93 - (باب مَا يُكْرَهُ مِنْ ضَرْبِ النِّسَاءِ) فيه إشارة إلى أنَّ ضربَهنَّ لا يباح مطلقًا بل فيه ما يُكره كراهةَ تنزيه أو تحريم، كما سيجيء تفصيله إن شاء الله تعالى (وَقَوْل اللهِ تَعَالَى) وفي نسخة ( {وَاضْرِبُوهُنَّ} [النساء 34] ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ) بكسر الراء المشددة؛ أي غير شديد الأذى؛ بحيث لا يحصل منه النُّفور التام. وعن قتادة غير شائن. وعن الحسن البصري غير مؤثر. فإنه يكره كراهة تحريم. وإنما ذكر قوله {وَاضْرِبُوهُنَّ} توفيقًا بين الكتاب والسنة، ولهذا قال غير مبرِّح، وفي رواية أبي ذرٍّ . وهذا التفسير منتزع من المفهوم من حديث الباب.
وقد جاء ذلك صريحًا في حديث عَمرو بن الأحوص أنَّه شهد حجَّة الوداع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر حديثًا طويلًا وفيه (( فإن فعلنَ فاهجروهنَّ في المضاجعِ واضربوهنَّ ضربًا غير مبرِّح ) )الحديث، أخرجه أصحاب «السنن» ، وصحَّحه التِّرمذيُّ واللَّفظ له.
وفي حديث جابر الطَّويل عند مسلم (( فإن فَعَلْنَ فاضرِبوهنَّ ضربًا غير مُبرِّح ) )، وقد سبق التَّنصيص في حديث معاوية بن حَيْدة على النَّهي عن ضرب الوجه.
ج 22 ص 628
قال ابن بطَّال قال بعضُهم أمر الله عزَّ وجلَّ بهَجْر النِّساء في المضاجع وضربِهنَّ تذليلًا منه لهنَّ وتَصْغِيرًا على إيذاءِ بعولتهنَّ، ولم يأمر لشيءٍ في كتابه بالضَّرب صراحًا إلَّا في ذلك وفي الحدود العظام، فساوى معصيتهنَّ لأزواجهنَّ بمعصية أهل الكبائر، وولَّى الأزواج ذلك دون الأئمة، وجعله لهم دون القضاة بغير شهودٍ ولا بيِّنة ائتمانًا من الله عزَّ وجلَّ للأزواج على النِّساء.
وقال المهلَّب إنَّما يُكْرَه من ضَرْبِ النِّساء التَّعدي فيه والإسراف، وقد بين النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ذلك فقال (( ضربُ العبد من أجل الرِّقِّ يزيد فوقَ ضربِ الحدِّ ) )لتباين حاليهما، ولأنَّ ضرْبَ النِّساء إنما جُوِّزَ من أجل امتناعها على زوجها من أجل المباضعة. وقال ابن التِّين واختُلِفَ في جواز ضربها في الخدمة، والقياس يوجبُ ذلك؛ لأنَّه إذا جاز ضربُها في المباضعة جازَ ضربها في الخدمة الواجبة للزَّوج عليها بالمعروف. وقال ابن حزم لا يلزمها أن تخدمَ زوجها في شيء أصلًا لا في عجينٍ، ولا في طبخٍ، ولا كنسٍ، ولا غزلٍ، ولا غير ذلك. ثم نقل عن أبي ثور أنَّه قال عليها أن تخدمه في كلِّ شيءٍ.
ويمكن أن يحتجَّ له بالحديث الصَّحيح أنَّ فاطمة رضي الله عنها شكتْ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تجدُ من الرَّحى، وبقول أسماء رضي الله عنها كنتُ أخدم الزُّبير، ولا حجَّة فيهما؛ لأنَّه ليس فيهما أنَّه صلى الله عليه وسلم أمرهما بذلك إنما كانتا متبرِّعتين.